|
berbang.net |
|
الطريق إلى الرق فريدرك إي. هايك
فريدرك إي. هايك (1899-1992) ولد في فيينا وحصل على شهادتي دكتوراه من جامعة فيينا في القانون وفي الاقتصاد السياسي. عين أستاذاً لعلم الاقتصاد والإحصاء في مدرسة لندن للاقتصاد، وفي عام 1950 عين أستاذاً للعلوم الاجتماعية والأخلاقية في جامعة شيكاغو. منح جائزة نوبل للاقتصاد عام 1974. نسخة موجزة نشرتها مجلة ريدرز دايجيست في نيسان 1945 كتب التمهيد: إدون ج. فيولنر كتب المقدمة: جون بلندل ”هؤلاء الذين يتخلون عن الحرية الأساسية سعياً وراء بعض من الأمن المؤقت لا يستحقون أمناً ولا حرية“ – بينجامن فرانكلين. المؤلفون § ولد فريدرك إي. هايك (1899-1992) في فيينا وحصل على شهادتي دكتوراه من جامعة فيينا في القانون وفي الاقتصاد السياسي. عمل في المعهد النمساوي لدائرة أبحاث الاعمال، تحت إشراف لودويغ فون ميزيس، وعمل محاضراً للاقتصاد في جامعة فيينا للفترة من 1929 حتى 1931. نشر كتابه الأول الموسوم (النظرية المالية وحلقة التجارة) عام 1929. وفي عام 1931 عين أستاذاً لعلم الاقتصاد والإحصاء في مدرسة لندن للاقتصاد، وفي عام 1950 عين أستاذاً للعلوم الاجتماعية والأخلاقية في جامعة شيكاغو، وعين عام 1962 أستاذا للاقتصاد السياسي في جامعة فريبورغ حيث أصبح أستاذاً فخرياً عام 1967. انتخب هايك زميلاً للأكاديمية البريطانية عام 1944، ونظم مؤتمراً في سويسرا عام 1947 أسفر عن تأسيس جمعية مونت بيليرين. منح جائزة نوبل للاقتصاد عام 1974 وأصبح ”رفيق شرف“ عام 1984 وعام 1991 منحه جورج بوش الميدالية الرئاسية للحرية. تضمنت كتبه (نظرية رأس المال النقية) عام 1941، (الطريق إلى الرق) عام 1944، (ثورة العلم المقابلة) عام 1952، (دستور الحرية) 1960، (القانون والتشريع والحرية) 1973-1979، و(الوهم المهلك) عام 1988. § جون بلندل: المدير العام لمعهد الشؤون الاقتصادية. كان سابقاً رئيس معهد الدراسات الإنسانية في جامعة جورج ميسون ومؤسسة أطلس للأبحاث الاقتصادية التي أسسها الراحل سير انتوني فيشر ليؤسس منظمات مماثلة لمعهد الشؤون الاقتصادية. خدم في مجلس كلا المنظمتين كما خدم في جمعية مونت بيليرين. § أدون ج. فيولنر: عمل رئيساً لمؤسسة التراث منذ عام 1977. وهو المدير الأسبق لجمعية مونت بيليرين. كما خدم مسبقاً في مناصب رفيعة المستوى في كل من القسمين التشريعي والتنفيذي للحكومة الفيدرالية. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أدنبره، ومنح الميدالية الرئاسية للمواطنة من قبل الرئيس رونالد ريغن عام 1989 لكونه ”قائداً لحركة محافظة من خلال بنائه لمنظمة مكرسة للأفكار وتبعاتها.“ تمهيد إدون ج. فيولز – تشرين الثاني 1999 وصف جون تشامبرلين في تمهيده للطبعة الأولى من كتاب الطريق إلى الرق، الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية على أنها ”زمن من التردد“ إذ كانت بريطانيا والقارة الأوربية تواجهان مهمة إعادة البناء وإعادة صياغة الدساتير، وهي مهمة رهيبة. أما الولايات المتحدة، التي تجنبت الدمار المادي الذي لحق بأوروبا الغربية فقد كانت رغم ذاك تحاول أن تتعافى من ضربات السوط الاقتصادي في علاج اقتصاد قادته الحرب وأخرجته من الكساد الكبير. كانت هناك ثمة رغبة في الأمن والعودة إلى الاستقرار، في كل مكان. لم يعد المناخ الفكري مستقراً وثابتاً. فظهور الفاشية ومن ثم هزيمتها وفّرت مساحة واسعة جداً للمفكرين الذين كانوا أحراراً للتناحر على أي فكرة تنقصها النظافة العرقية والسيطرة السياسية الدكتاتورية. وفي الوقت نفسه، فإن الفكرة الخاطئة والواسعة الانتشار القائلة بأن عدم معقولية السوق الحرة هي التي سببت الكساد، إضافة إلى أربع سنوات من إنتاج مركزية التوجه تقوده الحرب وحقيقة أن روسيا كانت حليف حرب للولايات المتحدة وبريطانيا، قد زاد جميعاً من تيار قبول تخطيط حكومة زمن السلم للاقتصاد. وفي تلك اللحظة المترددة وغير المستقرة ظهر الكتاب النحيف الذي تحمل بين يديك الآن {عزيزي القارئ} نسخته الموجزة، ألا وهو كتاب السيد فريردرك إي. هايك الطريق إلى الرق. فقد شغل الكاتب وقت فراغه بين أيلول (سبتمبر) عام 1940 وآذار (مارس) 1944 بكتابة الطريق إلى الرق الذي كان كما قال عنه الكاتب: ”كان واجباً لم يكن علي التملص منه“ فكان أكبر من أي إسهام آخر في سيرته الذاتية. وكما يرى هايك نفسه، كان يشير فقط إلى ”المخاوف أو الهواجس التي تخلقها النزاعات الحالية [في الفكر الاقتصادي السياسي] في عقول الكثيرين الذين لا يستطيعون التعبير عنها علناً“. ولكن مثلما يكون الأمر عادة فإن هذه المهمة التي دفعه إليها شعوره بالواجب أحدثت نتائج جسيمة لم تخطر ببال المؤلف. لقد وظف هايك الاقتصاد للبحث في عقل الإنسان مستخدماً معرفته التي كان قد أكتسبها لأجل تعرية الطبيعة الشمولية للاشتراكية ولتفسير كيف أنها تقود لا محالة إلى الاستعباد ويكمن إسهامه الأعظم في اكتشاف الحقيقة البسيطة، والجسيمة في ذات الوقت، القائلة بأن الإنسان لا يعرف ولن يستطيع أن يعرف كل شي، وعندما يتصرف وكأنه يعرف كل شي فإن كارثة ستقع. لقد أدرك هايك أن الاشتراكية، والدولة الجمعية، والاقتصاد المبرمَج أو المنظَّم، يمثلون شكلاً من الغرور والغطرسة، لأن هؤلاء الذين يخططونها يحاولون – بمعرفة ناقصة – إعادة تصميم الطبيعية البشرية. وبفعلهم هذا، يتجاهل هؤلاء المخططون المزعومون وبكل غطرسة التقاليد التي تجسد حكمة الأجيال، ويحتقرون كل العادات التعسفية التي لا يفهمون غاياتها وأهدافها، فيخلطون ويركبون القانون المكتوب في قلوب الناس – الذي لا يستطيعون تغييره – من خلال قواعد إدارية لا يستطيعون تغييرها بلمح البصر. وبالنسبة لهايك، ليس هذا الافتراض ”وهماً مهلكاً“ فحسب بل ”هو الطريق إلى الرق.“ كان تأثير الأفكار البسيطة التي تضمنها كتاب الطريق إلى الرق فورياً، فقد أعيد طبع الكتاب ست مرات في غصون ستة عشر شهراً، وترجم إلى العديد من اللغات الأجنبية، وتم تداوله علناً في العالم الحر، وسراً في ما وراء القضبان على حد سواء. وليس من المبالغ فيه أن نقول أن كتاب الطريق إلى الرق منع بشكل تلقائي ظهور الاشتراكية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وبذر بذور الحرية في الاتحاد السوفيتي التي تنامت وأتت ثمارها بعد 45 عاماً من تاريخ صدوره. فقد أُخرجَت بعض الشعارات الاشتراكية ”كالجمعية“ من تيار الجدل السياسي، حتى أن الاشتراكيين الأكاديميين قد أُجبروا على التراجع من دفاعهم عن التخطيط الاشتراكي المتزايد. ولكن القيمة الحقيقية لـ الطريق إلى الرق لم تكن في الضربة المفاجئة التي أعطتها للناشطين والمفكرين الاشتراكيين – على الرغم من أهميتها – ولكن في الانطباع الخالد الذي تركته في أذهان المفكرين السياسيين والاقتصاديين في الأعوام الخمسة والخمسين اللاحقة وباعتراف هايك نفسه فإن هذا الكتاب أصبح، على نحو متوقع نقطة بداية لأكثر من خمس وثلاثين عاماً من العمل في حقل جديد.
مقدمة هايك وفيـشر و ”الطريق إلى الرق“ جون بلندل تبدأ قصتي هذه مع رجل إنكليزي اسمه ليونيل روبنز، وأصبح فيما بعد اللورد روبنز لورد كلير ماركت. وفي عام 1929، في سن الثلاثين فقط، عُيّنَ أستاذاً لعلم الاقتصاد في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وهي كلية تابعة لجامعة لندن. وكان أعظم عالم اقتصاد إنكليزي في جيله، وكان أيضا طليقاً في اللغة الألمانية. وقد قادته هذه المهارة الأخيرة إلى أعمال عالم اقتصاد نمساوي شاب يدعى فريدرك هايك، مما حدا به إلى دعوة نظيره الشاب إلى إلقاء محاضرات في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. وقد نجحت تلك المحاضرات نجاحاً جعل هايك يعين من قبل الجامعة بصفة أستاذاً لعلوم الاقتصاد والإحصاء في مدرسة لندن عام 1931، وأصبح مواطناً إنكليزيا قبل أن يصبح مثل هذا الوضع بمثابة ”جواز سفر للأغراض الفخرية“ بوقت طويل. وفي عقد الثلاثينات [من القرن العشرين]، كان جون مينارد كينز في قمة عطائه، فكان عالم الاقتصاد الأكثر شهرة في العالم، وكان هايك الند الحقيقي الأوحد بالنسبة له. وفي عام 1936، نشر كينز كتابه سيئ الصيت الموسوم (نظرية التشغيل العامة: الفائدة و المال). وكان هايك قد أغري لتفنيد ذلك الهراء، إلا انه كف عن ذلك، وذلك لسبب بسيط وإنساني جداً. قبل ذلك بعامين فقط، كان هايك قد هاجم كُرّاسة اقتصادية أصبحت الآن طي النسيان وهي ”رسالة في المال“ وفندها في عرض صحفي من جزأين. فما كان من كينز إلا هز كتفيه بعدم اكتراث وهو يبتسم لذلك الهجوم، قائلاً ذات يوم بينما كانا يتمشيان في كلير ماركت: ”أوه، لا تهتم أبداً؛ أنا لم اعد أؤمن بذلك كله.“ لم يكن هايك يريد أن يكرر عمل التفنيد ذاك مع كتاب (النظرية العامة) إذ ربما قرر كينز يوماً في المستقبل أنه لم يعد ”يؤمن بذلك كله“ أيضا - وهو قرار كثيراً ما سمعت هايك يأسف عليه في عقد السبعينات. ولما جاءت الحرب وأُخليَتْ مدرسة لندن للاقتصاد من وسط لندن إلى كلية بيتر هاوس في كامبردج، أعد كينيز غرفة لغريمه العقلي الرئيسي هايك، وعلى أفضل ما يكون، في كلية كنغز التي كان كينز أمين صندوقها، بينما تطوع هايك، وعلى أفضل ما يكون أيضا، لواجب القتال. وهذا يعني أنه عَرَضَ أن يقضي لياليه جالساً على السطح لمراقبة القاصفات الألمانية المغيرة. وبينما كان يجلس هناك في إحدى الليالي، بدأ يفكر متسائلاً عما سيؤول إليه مصير وطنه الثاني إذا حل السلام أو عند حلوله. كان واضحاً في ذهن هايك أن النصر يحمل بذور الدمار. كانت الحرب قد سميت ”حرب الشعب“ لأنها، على خلاف جميع الحروب السابقة، جعلت جميع الناس يحاربون فيها بطريقة أو بأخرى. حتى المسالمين جداً قد ساهموا من خلال العمل في الأرض لإطعام القوات المسلحة. وتقصى هايك شعوراً متنامياً مفاده أن ”مثلما هو الحال في الحرب، كذلك الحال في السلم“ بما يعني أن الحكومة ستتملك وتخطط وتسيطر على كل شيء. وأن المصاعب الاقتصادية الناجمة عن الحرب ستكون جسيمة أيضا، وأن الناس سيرجعون إلى الحكومة لإيجاد طريقة أو منفذاً للخروج من الأزمة. وهكذا، بينما كتب هايك كتابه الرائع، الطريق إلى الرق، فإنه لم يكن قد تحرك بسبب حبه لوطنه الثاني فحسب، بل أيضا بسبب خوفه من أن التخطيط الوطني، والاشتراكية، وتنامي قوة الدولة وسيطرتها ستقود المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وبشكل حتمي لا مفر منه إلى الفاشية، وليس إلى الاشتراكية الوطنية. انتوني فيشر: الرجل الذي فعلها لذا دعوني الآن أتحدث عن الطريق إلى الرق، ورجل معين كانت دروس ذلك الكتاب قد حركته للقيام بشيء ما. وكان ذلك الرجل هو الراحل انتوني جورج انسون فيشر، او اجاف كما كنا، وما زلنا نسميه. انحدر فيشر من عائلة تمتلك مناجم، وتضم أعضاء برلمان، ومهاجرين وعسكريين. ولد عام 1915 ولحقه مباشرة أخوه وصديقه الأثير باسل، وفي عام 1917، قُتل أبوه على يد قناص تركي. ترعرع فيشر في جنوب شرق إنكلترا على يد أمه الأرملة الشابة، وهي نيوزلندية مستقلة من بيراكي/أكاراوا. درس اجاف في إيتون وكامبردج حيث تعلم الطيران مع أخيه في سرب طيران الجامعة. ولدى التخرج، تضمنت مبادراته العديدة ما يلي: § شركة تأجير السيارات – مبادرة ناجحة . § شركة تأجير للطائرات – مبادرة ناجحة . § تصميم وصناعة سيارة رياضية رخيصة تسمى ديروي، وقد فشلت بسبب انعدام الطاقة. وعند بداية الحرب، تطوع انتوني وباسل في سلاح الجو الملكي وسرعان ما قادا طائرتي ”هوريكينز“ في السرب الثالث في معركة بريطانيا. وفي أحد الأيام ضُربت طائرة باسل بالنيران الألمانية، فقذف بنفسه فوق (سلسي بل) ولكن مظلته كانت هدفاً للنيران فسقط كل من الرجل والطائرة منفصلين على الأرض . أما أنتوني المدمر تماماً فقد أجبر على عدم الطيران حفاظاً على سلامته، ولكنه استغل وقته بشكل إنتاجي ليطور مكنة تدعى (مكنة تدريب فشر) لتعليم الطيارين المتدربين على التصويب الأفضل. وكان أيضا قارئاً نهماً لمجلة ريدرز دايجست. فكان يفترس كل نسخة منها، ويقرؤها بصوت عالٍ لعائلته، ويضع خطوطاً كثيرة تحت كلماتها ويحتفظ بها متسلسلة في مكتبه. يتذكر مارك، طفله الأول، حائط غرفة المكتب وهو يضج بأعداد ونسخ ريدرز دايجست وهي مرتبة خطاً بعد خط لسنوات – وحتى لعقود من إصدارها. إذن كيف التقى طيارنا المحارب بعالمنا الأكاديمي هايك؟ فيما يلي القصة كاملة كما جمعتها. ليست كل تفاصيلها متفقٌ عليها من جميع الأطراف ذات العلاقة، ولكن الأجزاء ملائمة. لذا فهذه هي قصتي وأنا متمسكٌ بها. تزاوج العقول الحقيقية نشر الطريق إلى الرق في آذار عام 1944 وعلى الرغم من شحة الورق في زمن الحرب، إلا أنه نفذ بطبعاته الستة في المملكة المتحدة في غضون ستة عشر شهراً. وعلى الرغم من هذا، ونتيجة لمحدودية الورق، لم يكن الناشرون، روتلج، قادرين على تغطية الطلبات المتزايدة، مما حدا بالمؤلف أن يشتكي من أن كتابه قد حصل على هذه السمعة لأنه “ كان كتاباً لا يمكن الحصول عليه“. لقد كان كتاباً ناجحاً ومتفرداً بشكل لا يصدق إلى حد أن هايك قد فقد القدرة على متابعة العروض الصحفية والنقدية، واندفع النقاد إلى تأليف كتب كاملة تهاجمه في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. ويملك الدكتور لورنس هايك، الابن الوحيد لـ فريدرك اي. هايك، نسخة والده الراحل من الطبعة الأولى من الطريق إلى الرق، إضافة إلى نسخة الطابعين المصححة مع تصحيحات والده عليها. وفي الغلاف الأخير من الداخل لنسخة الكتاب بدأ هايك بذكر قائمة بالعروض التي ظهرت. وتقرأ القائمة كما يلي: تابليت: 11-3-44 (دوغلاس وودروف) صنداي تايمز: 12-3 (هارولد هوبسون: جملة أو جملتين) 9-4 (جي.إم. يانغ) برمنغام بوست: 14-3 ( تي. دبليو.هـ ) يورك شاير بوست: 29-3 فايننشل نيوز: 30-3 ليسنر: 30-3 ديلي سكيتش: 30-3 (كانديدوس) تايمز لترري سَبلمنت: 1-4 سبيكتيتور: 31-3 (م. بولاني ) أيريش تايمز: 25-3 أوبزيرفر: 9-4 (جورج أورويل) مانشستر غارديان: 19-4 (دبليو). ولكن، كما قال لي هايك عام 1975، أخذت هذه العروض الصحفية تتدفق بسرعة كبيرة جعلته يفقد مسار المتابعة مما حدا به أن يكف عن تسجيلها. وفي مطلع عام 1945 نشرت مطبعة جامعة شيكاغو الطبعة الأمريكية من الطريق إلى الرق وكما هو الحال مع مطبعة روتلج في المملكة المتحدة، وجدت مطبعة جامعة شيكاغو نفسها غير قادرة على تغطية الطلبات على نسخ من الكتاب نتيجة لنسب ترشيد استهلاك الورق. وعلى أية حال، في نيسان عام 1945 وصل الكتاب إلى جمهور القراء الواسع عندما نشرت مجلة ريدرز دايجست نسختها الموجزة من الكتاب. (كان هايك يعتقد أنه من المستحيل اختصار ذلك الكتاب، ولكنه كان دائم التعليق على العمل الجبار الذي قام به محرِّرو ريدرز دايجست) فبينما كان ناشرو الكتب يتعاملون بقضايا نشر نسخ لا تزيد على أربعة آلاف أو خمسة آلاف نسخة، كان لدى مجلة ريدرز دايجست مساحة طبع ونشر يصل إلى مئات الآلاف. وللمرة الأولى لحد الآن، وضعوا الكتاب الموجز في مقدمة المجلة بحيث لا يستطيع احد أن لا يجده – لا سيما للمدمنين على هذه المجلة. ظهرت ريدرز دايجست بينما كان هايك على ظهر السفينة مبحراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية في جولة لإلقاء المحاضرات كانت قد أعدت لتتوافق مع نشر الكتاب في الولايات المتحدة. وصل ليجد نفسه شخصاً مشهوراً: ”…أخبروني أن جميع خططنا تغيرت. وأنني سأذهب في جولة محاضرات جماهيرية تنطلق من قاعة مدينة نيويورك… تخيل دهشتي عندما قادوني إلى هناك في اليوم التالي لأجد أكثر من ثلاثة آلاف شخص في القاعة، إضافة إلى آخرين في الغرف الملاصقة يحملون مكبرات الصوت. كنت هناك مع سرية من الميكروفونات، وبحر حقيقي من الوجوه المترقبة.“ وها أنا الآن أعود إلى العمل الاستقصائي. فقد شهد آخر ربيع وأول صيف عام 1945 هايك وفيشر وهما في حالة تقدم وحراك. أمضى هايك فترة الحرب في كامبردج، ولكن الآن أصبح الرجوع إلى مدرسة لندن للاقتصاد في موقعها في لندن آمناً. أما فيشر فقد أمضى الحرب متجولاً في عموم أرجاء المملكة المتحدة، يدرب الطيارين على الرماية وقد رقّيَ إلى قائد سرب. وقد كان أيضاً في تقدم نحو الدائرة الحربية (وزارة الدفاع حالياً) في وسط لندن، على مبعدة عشر دقائق مشياً من مدرسة لندن. ويؤكد لورنس ابن هايك وكذلك تؤكد سجلات مدرسة لندن مواعيد انتقال هايك، بينما أوضحت سجلات فشر في سلاح الطيران الملكي، والتي تم الحصول عليها مؤخراً من وزارة الدفاع من قبل ولده الأكبر مارك، مواعيد انتقال فشر. وبعد أربعين عاماً من ذلك الحين، لم يعد هايك ولا فيشر نافعين في إعطاء معلومات لما جرى بعد ذلك بالضبط. وهايك، على وجه التحديد، اعتاد على الادعاء بأنه لا يتذكر مطلقاً أن فيشر قد جاء يوماً إليه طالباً النصح. أما فيشر، من الناحية الأخرى، فكان واضحاً دائماً ومصراً وصريحاً جداً بشأن المحادثة التي دارت بينهما – وبشكل حرفي تقريباً – لكنه لم يخبرنا بالطريقة التي جرت بها هذه المحادثة بالضبط. وفيما يلي ما اعتقده أنا بشان تلك المحادثة: كان فيشر، المدمن جداً على مجلة دايجست، ناشطاً سياسياً منذ فترة، وكان قلقاً أيضا على مستقبل بلاده. وقد وضعت طبعة نيسان 1945 من الكتاب على طاولته وهو ينتقل إلى لندن، وبعد قراءة الكتاب برمته، لاحظ على غلاف الكتاب أن مؤلفه في جامعة لندن. وبعد الاتصال هاتفياً، عرف أن موقع مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية تقع في الجوار، وفي إحدى استراحات الظهيرة، أو ما بعد الظهر، تمشى فشر من مكتبه إلى المدرسة وطرق على باب هايك. كما يتذكر فيشر المظهر الذي ظهر به مكتب هايك بتفصيل دقيق للغاية بما في ذلك قربه من مكان هارولد لاسكي المقيت. وادعى فيشر أنه بعد حديث قصير (لم يتطرق له أي منهما) جرت المحادثة بالشكل التالي: فيشر:- أقاسمك المخاوف والقلق اللذين عبرّت عنهما في الطريق إلى الرق مما جعلني أخطط للانخراط بالسياسة لأحاول وضع الأمور في نصابها . هايك:- لا، ليس عليك ذلك! لأن مسار المجتمع سيتغير فقط بواسطة تغيير الأفكار. عليك أولاً الوصول إلى المثقفين، الأدباء والمدرسين، وفي مناقشات عقلانية. لأن تأثيرهم على المجتمع هو الذي سيسود، والسياسيون يتبعونهم. احتفظت بهذا الاقتباس على طاولتي إلى جوار السطور الشهيرة التي كتبها كينز والتي تقول ”إن أفكار الاقتصاديين والفلاسفة السياسيين هي أكثر قوة مما يُفهم عادة، عندما تكون على صواب أو خطأ، على حد سواء. والحق أن العالم يحكمه قلة من الآخرين أيضا. والناس العمليون الذين يعتقدون أنفسهم خارج نطاق التأثيرات الفكرية، هم في الحقيقة عبيدٌ لأحد الاقتصاديين الميتين.“ وأخيراً بهذا الشأن، دعوني أقتبس كلمات فيشر نفسه التي قالها في الثالث من تموز (يوليو) عام 1985 عندما تحدث في حفل لمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس معهد الشؤون الاقتصادية (وربما كانت تلك هي الذكرى الثلاثون لأول كتاب صدر للمعهد في حزيران (يونيو) 1955 وليس لتأسيس المعهد الذي أُسس في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1955 أو الافتتاح الرسمي له في عام 1957). وفي تلك الحفلة في تموز عام 1985 قال فيشر: ”لقد كان يوماً هاماً بالنسبة لي عندما أعطاني السيد فريدرك هايك بعضاً من النصح، وربما كان ذلك قبل أربعين عاماً من يومنا هذا، وقد غيرّت تلك النصيحة حياتي كلها. لقد قام فريدرك بتشغيل محركي… وكان الشيآن اللذان قالهما هما سر بقاء معهد الشؤون الاقتصادية في مساره لحد الآن. الأول، هو أن تكون خارج السياسة، والآخر هو أن تطور لك حالة فكرية معينة. إذا ما استطعت الالتصاق بهذين الشيئين، فانك ستبتعد عن الكثير من المشاكل ومن الواضح أنك حينها ستقوم بالكثير من الخير.“ وكما قلت، بعد ثلاثين عاماً، وفي مناسبات عديدة، لم يجادل هايك حول الحدث برمته، ولا أنكر النصيحة، ولكنه قال ببساطة أنه لا يتذكر الأمر. ولكنها بالطبع نصيحة هايكية متناغمة تماماً مع مقاله الكلاسيكي ”المفكرون والاشتراكية“ الذي ظهر بعد سنوات قلائل من ذلك، والذي أعيد نشره للتو في معهد الشؤون الاقتصادية. إلا أن تلك النصيحة قلّما كانت مخططاً أو خارطة عمل للتمسك بها: ”عليك أن تصل للمثقفين.“ والحق أن سنوات العقد التالي لم تشهد تساقط غبار مباشر من تلك المحادثة، على الرغم من أن ثلاثة من المفكرين الأمريكيين الملتزمين قد بحثوا هذا الأمر مع هايك وقرعوا الأجراس في الولايات المتحدة. الطريق إلى معهد الشؤون الاقتصادية عمل هايك في التدريس في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وطلّق زوجته في آركينسا، وتزوج ثانية، وانتقل إلى شيكاغو وكتب (دستور الحرية). أما فيشر فقد حاول العمل في بيع وشراء الأسهم، وأصبح مزارعاً، وكتب دراسة تنبؤية جداً بعنوان (قضية الحرية)، واستورد فكرة إنشاء مزرعة آلية للدواجن، وناصر الحرية في حملات عديدة ومتنوعة، وزار الولايات المتحدة باحثاً عن نماذج لمعاهدٍ يمكنه تقليدها، ونشر كتاب (التحول الحر للإسترليني) لمؤلفه جورج وندر، واتحد مع معهد الشؤون الاقتصادية، واستأجر رالف هارس، ولأنه استأجر الكفاءات والمواهب، كما اعتاد أن يفعل دائماً، فان ذلك جعله يتمزق بطريقة رفع اليدين في الإدارة. (عندما ائتمنني على مستقبل مؤسسة أبحاث أطلس الاقتصادية عام 1987، كان هذا الكيان مصمماً على بناء مكاتب لمعهد الشؤون الاقتصادية حول العالم، أوضح لي أنه موجود إن احتجتُ إلى مساعدته، ولكنه في الحقيقة توقع مني أن أشق طريقي بمفردي). ولنبدأ من تلك الفترة، إذ لم يكن واضحاً ما الذي سيكون عليه معهد الشؤون الاقتصادية في أواخر الخمسينيات. لقد كان كتاب وندر في السيطرة على التبادل قصيراً، وسهل الفهم ومتعلقاً بقضايا قليلةٌ نسبياً ولكنها هامة. وقد بيعت نسخه الألفين الأولى بسرعة نتيجة للعرض الصحفي الذي كتبه عنه هنري هازلت في نيوزويك. ولسوء الحظ، أفلس الناشر الذي باع الكتاب أيضاً لانتوني، وفُقدت أسماء وعناوين الألفي شخص الذين اشتروا نسخاً من الكتاب. ولكن فشر قد زار مؤسسة التعليم الاقتصادي في إيرفنغتون- أون- هدسون في نيويورك، وقد عرضت عليه مجلتها ”ذي فريمان“ وكذلك مجلة ”ريدرز دايجست“ التي لم تزل أثيرة محببة لديه. كان هارس رجل حزب سياسي ثم تحوّل إلى أكاديمي ثم تحوّل إلى كاتب مقالات افتتاحية، أما آرثر سيلدون، مدير التحرير الأول، فكان مساعد باحث لآرنولد بلانت عالم الاقتصاد الشهير في مدرسة لندن للاقتصاد قبل أن يصبح رئيس الاقتصاديين في رابطة لمصنعي الخمور. ومن هذا المزيج من الخبرات الأكاديمية والعملية والسياسية والصحافية، جاءت طريقة معهد الشؤون الاقتصادية المميزة للدراسات القصيرة أو الكرّاسات التي تتضمن أفضل الاقتصاديات (الأمور المتعلقة بالاقتصاد) بلغةٍ إنكليزية حسنة، خالية من الرطانة، أو الإبهام مكتوبة على الأغلب بيد مجموعة من الأكاديميين أو أشباه الأكاديميين، بلغة سهلة الفهم بالنسبة لرجل الشارع ولكنها مع ذلك مفيدة للخبراء. في الأيام الأولى، كان من العسير أن نجد المؤلفين، ومن العسير أيضا أن نجمع المال، أو نحصل على عروض صحفية ومبيعات. في بعض الأحيان كان على كل فرد أن يخفض الأقلام لغرض جمع المال، أو أن يلتقط الأقلام بسرعة للاشتراك في تأليف ورقة. وكان أول نجاح واضح لهذه المغامرة، التي ألهمها كتاب الطريق إلى الرق، ونصح بها هايك، ونفذها فيشر وأدارها هارس وسيلدون، قد تجسد في إلغاء قانون إدامة إعادة البيع عام 1964، الذي كان إصلاحاً رائعاً. إذ أنها وصفت الممارسة السائدة، التي يقوم بها المنتجون بتثبيت أسعار البضا |