|
ğ ğ
محمد عبده إمام الحداثة والشرعية الدستورية
(1)
د. عبد الرزاق عيد
من هو
الإمام محمد عبده ؟
ولد محمد عبده 1849 في قرية على ضفاف الدلتا المصرية، لعائلة تنتمي إلى تلك
الطبقة الوسطى الخلاقة في مصر الحديثة، طبقة العائلات ذات المكانة المحلية
التي تتصف بالعلم والتقوى، وتشكل الطبقة الوسطى كما هو معروف في علم
الاجتماع
الحاضنة الاجتماعية المولِّدة للثقافة ، فهي المنتجة للفكر والأدب والسياسة
عالميا عموما، وفي المجتمعات النامية خصوصا.
ويقال أن أباه كان من أصل تركي بعيد، وأمه من عائلة عربية تنتسب إلى أبطال
الإسلام الأوائل.
لاشك أن هذه النشأة في هذه البيئة ستورث الفتى نوعا من الصلابة الداخلية التي
تؤهله للمواجهة والمساجلة والمصاولة التي وسمت بداية حياته السياسية ومجمل
مسار تجربته الفكرية والإصلاحية والتربوية، بل ووهبته هذا الاعتداد والزهو
بالنفس إلى الحد الذي قال عنه الخديوي عباس : " إنه يدخل علي كأنه فرعون!
هذه الثقة التي ترشح عن كبرياء يستشعره (الخديوي) وكأنه تعال عليه، لا
يمكن أن يكون ثمرة النشأة المشار إليها فحسب، بل إنها ترشح عن هذا الروح
الصوفي المترفع المتسامي الذي لا يأبه لأصحاب (الأمكنة العالية) بل لأصحاب (المكانات
السامية) وفق تمييزات ابن عربي : (بين رفعة المكان وضعة المكانة و بين خفض
المكان ورفعة المكانة ) والذي سنأتي على عرضه لاحقا...
بدأ في سن السابعة يتعلم حفظ القرآن والقراءة والكتابة في كتاب القرية، وفي
الثالثة عشر من عمره قصد " جامع الأحمدي " بطنطا لحضور دروس تجويد القرآن،
وجامع الأحمدي كان يومذاك أعظم مركز للثقافة الدينية في مصر بعد الأزهر.
لكنه نفر من طرائق التدريس المتبعة القائمة على الحفظ والذاكرة واستظهار
الشروح على النصوص القديمة، يقول: " كنت أسمع الشيخ وهو يدرس فأحسبه يتكلم
بلغة أجنبية "، فهرب بعد عام من الدراسة، مصمما على الإقلاع عن الدراسة،
ليعود إلى القرية سنة 1865.
بعد عودته إلى القرية يتزوج في هذه السن المبكرة على سنة العادات السائدة في
الريف بل وفي تلك الأزمنة المبكرة، مقررا العمل بالزراعة مع أسرته والانقطاع
نهائيا عن التعليم، إلا أنه عاد فاستأنف الدراسة استجابة لضغط أبيه ونصح خاله
الشيخ درويش: الذي كان له الأثر الأقوى في حياته قبل اتصاله بالأفغاني وفق
الدارسين لسيرته الذاتية.
إن الشيخ درويش سيترك أثرا عميقا في نفس الفتى، إذ سيكون له موئلا روحيا،
سيطلق عليه -لاحقا في سيرته الذاتية صفة فيها شحنة صوفية " مفتاح سعادتي "
يقول : " ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذاك الشيخ الذي
أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى
إطلاق التوحيد.... وهو مفتاح سعادتي، إن كانت لي سعادة في هذه الدنيا، وهو
الذي رد لي ما كان من غريزتي وكشف لي ما كان خفي عني مما أودع في فطرتي "
وسيذهب الأستاذ الإمام إلى القاهرة وهو في الواحد والعشرين من عمره في سنة
فبراير 1866م، ليلتحق بالأزهر.
إن تأثير الخال الشيخ درويش في الأستاذ الشيخ سيترك أثره اللاحق على خياراته
ليس على مستوى اختيار الحياة البسيطة والشديدة التقشف والمنقطعة عن العلائق
مع الناس فحسب، بل والانكباب على كتب الصوفية درسا وبحثا والتحاقا بدروسها
وأساتذتها، وستؤسس روحيا وأخلاقيا للتعمق فيها فلسفيا مع أستاذه اللاحق
الأفغاني الذي راح يتردد على حلقته، إذ منذ لقائه الأول طفق يسأله عن بعض
آيات القرآن وما قاله المفسرون والصوفية فيها، ثم يفسرها له، فكان هذا مما
ملأ قلب فقيدنا به عجبا وشغفه حبا، لأن التصوف والتفسير هما قرة عينه، أو كما
قال، مفتاح سعادته "
سيعود جمال الدين الأفغاني مرة ثانية لمصر في سنة 1871، وسيكون محمد عبده من
أول الملتفين وأشدهم حماسة، إذ سيلازم مجلسه منذ ذلك العام، ويستمع إلى دروسه
التي كان يلقيها في داره، وإثر ذلك سيقطع مع الأزهر ومع حلقات دروسه العقيمة
التي يضيع فيها الوقت، حيث يرون أن العلم هو علم القول "جاء زيد" لا علم
القلوب، الذي راح يرتشفه في حلقات درس أستاذه الذي راح يسحبه من عوالم التصوف
التي تنتمي إلى حيز الزهد والتنسك والتقشف إلى فضاء التصوف الفلسفي الرفيع.
بدأت تجربة محمد عبده مع الكتابة سنة 1876 في "الأهرام" ولمّا يتجاوز سبعة
وعشرين عاما، وكانت تجربته الكتابية هذه لا تزال تتسم بالأسلوبية التقليدية
الأزهرية من خلال الالتزام بالسجع.
سيتخرج من الأزهر 1877، لينال درجة العالمية من الدرجة الثانية، لإصرار
اللجنة على معاقبته على آرائه التحررية وملازمته وصحبته لجمال الدين
الأفغاني، ككل المواهب التي لا تمر بلا عقاب في مجتمعاتنا التقليدية التي تقف
للحرية بالمرصاد، وقد كان الإمام في طور تأسيسه لمشروع الحداثة العربية في
الدعوة إلى تحرير العقل فكريا، وتحرير المجتمع دستوريا.
ومجلى هذا التحرر الفكري التحديثي أنه سيواصل بعد تخرجه من الأزهر، تدريس كتب
المنطق والفلسفة، إذ راح يعقد الحلقات في بيته على طريقة أستاذه الأفغاني،
فدرس وشرح المؤلفات الفكرية القديمة التي لم يتداولها بعد الفكر العربي
الحديث كمقدمة ابن خلدون التي قررها على طلاب دار العلوم بعد أن عين أستاذا
للتاريخ فيها، كما قرأ على طلابه في بيته كتاب "تهذيب الأخلاق " لمسكويه.
أما الكتب الحديثة فراح يدرِّس ويشرح كتابا مترجما عن تاريخ التمدن الأوربي،
"التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية"، ألفه الوزير الفرنسي "فرانسوا
غيزو" وترجمه اللبناني الخواجة نعمة الله خوري، وقرظه أستاذه الأفغاني في
"الأهرام".
ولابد أن القارئ
الذي تفاجأ ثم فهم سبب منح الأزهر شهادة العالمية من الدرجة الثانية لمحمد
عبده وهو أهم من خرجه الأزهر في تاريخه، نقول : لابد للقارئ
والأمر كذلك - أنه سيفهم سر ملاحقة أستاذه له في أروقة الأزهر (الشيخ عليش)
وضربه له بالعصى كلما شاهده منفردا بمجموعة من زملائه الأزهريين وهو يشرح لهم
أفكار أستاذه الأفغاني !
هذه الخيارات سيدفع الإمام ضريبتها إذ سيعزل من مناصب التدريس في مدرستي
الألسن ودار العلوم وذلك في سنة 1879 وذلك على أثر نفي أستاذه من مصر، ولتحدد
إقامته بقريته "محلة نصر".
لكنه في سنة 1880 سيصدر عفو من الخديوي توفيق، وسيعين محررا في الوقائع
المصرية، ثم رئيسا، وعندما سينشأ المجلس الأعلى للمعارف العمومية سيعين عضوا
فيه سنة 1881، لكن سرعة إيقاع الحياة السياسية في مصر ومن ثم انضمامه إلى
حركة العرابيين نسبة إلى أحمد عرابي- ستفضي إلى إبعاده عن الاشتغال في
التدريس، ليتوجه للعمل بالصحافة والسياسة.....وليجد نفسه منخرطا في الثورة
عندما لاحت له أخطار التهديدات الأجنبية لاستقلال مصر بعد المذكرة الثنائية
الإنجليزية/الفرنسية سنة 1881 وسيستمر في صفوف الثورة رغم تحفظاته على
شرعيتها الدستورية، ولهذا فهو في هذه الفترة سيضع البرنامج الليبرالي الريادي
للحزب الوطني ليضبط إيقاع حركة الضباط واندفاعاتها الانقلابية بعد أن أخذ
موافقتهم وتواقيعهم على البرنامج، وسيستمر في دوره القيادي بالثورة حتى
هزيمتها ومن ثم احتلال بريطانيا لمصر..
وعلى أثر الهزيمة سيسجن ثلاثة أشهر....وسيحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات إلى
بيروت، لكن فترة النفي امتدت إلى ما يقارب الست سنوات بعد أن التحق بأستاذه
الأفغاني في باريس ليكون نائبه في رئاسة تنظيم "العروة الوثقى" ورئيس تحرير
الجريدة لسان حال الجمعية المسماة باسمها "العروة الوثقى" التي صدر منها
ثمانية عشر عددا، أولها في 13 مارس آذار 1884، وأخرها في 17 أوكتوبر
تشرين الأول سنة 1884.
في هذه الفترة سيقوم الإمام برحلات كثيرة ذات طبيعة سرية كمهام تنظيمية
بتكليف من الجمعية، لكن بعد توقف (العروة الوثقى) عن الصدور، سيغادر باريس
إلى تونس ومن ثم إلى بيروت سنة 1885، ليمكث في بيروت ثلاث سنوات معلما في
مدرسة حديثة أنشأتها جمعية إسلامية خيرية.
وفي بيروت التي كانت تعيش استقرارا أكثر من مناخات مصر الصراعية، سيتاح
للإمام إلقاء المحضرات والدروس في علم الكلام والفلسفة التي ستترك أثرها
لاحقا في أشهر مؤلفاته كـ "رسالة التوحيد".
هذا المناخ العلمي المستقر أفسح له المجال للتأمل والتفكير في أحوال الأمة،
ولعل البيئة الثقافية اللبنانية المتعددة الملل والنحل والطوائف والديانات،
وما كان يستتبع هذا التعدد من صراعات وحروب أهلية طائفية، حثت عقل الإمام على
التفكير بواقع بشرية التعدد الطائفي وليس دينيته، إذ أن الدين واحد، ولم
تتعدد الطوائف إلا لأسباب المصالح البشرية، في الهيمنة والرياسة والتغلب،
فيدخلون الذات العليا السامية في معمعان مطامعهم البشرية لتزعم كل طائفة
بأنها هي "حزب الله"، وهي الفرقة الوحيدة الناجية، بينما الجميع خارجها في
النار، ولهذا فقد قام بتشكيل جمعية سرية للتقريب بين الأديان، شارك فيها عدد
من رجال الدين المستنيرين ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة....
ولعل التحاقه مع أستاذه الأفغاني بـ "الماسونية" العالمية والعلمانية المشبعة
بأفكار الثورة الفرنسية عن العدالة والإخاء والمساواة الإنسانية - إذ كانت
صلته بالماسونية مع أستاذه الأفغاني قبل الالتباسات والشبهات التي تحيط بها
اليوم نقول: ربما قوضت هذه الصلة بالماسونية تلك الحدود التي تقيمها
السلطات الدينية حفاظا على امتيازاتها بين الديانات والمذاهب والطوائف،
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن تشبعه بالقيم الأخلاقية والروحية التصوفية ذات
المذاق الفلسفي الرفيع منحه هذا الأفق الواسع الذي يتجاوز حواجز المذاهب
وجدران الطوائف، وجزر الديانات، باتجاه النظر إليها بوصفها تجليات لحقيقة
واحدة، هي حقيقة فيض الوجود عن ذات واحدة، كما ألهمته نظرية الفيض لوحدة
الوجود الصوفية.
وفي بيروت سيشتغل محمد عبده بالتدريس في (المدرسة السلطانية)، حيث شرح فيها
(نهج البلاغة) و(ديوان الحماسة) و(إشارات) ابن سبنا، وكتاب التهذيب لمسكويه،
ومجلة الأحكام العدلية العثمانية، وفيها سيلقى دروسه عن علم الكلام ومسألة
التوحيد وذلك بعد عودته إلى مصر، وفي بيروت سيتزوج من زوجته الثانية، بعد أن
توفيت زوجته الأولى. وقام بالمسجد (العمري) في بيروت بإعطاء دروس في تفسير
القرآن وفق المنهجية العقلانية التي سيعرف بها تفسيره، إذ استمرت دروس
التفسير هذه حوالي السنتين، كان يستقبل فيها طلابه بما فيها مهتمون مسيحيون
ثلاث ليال في الأسبوع.
سيرة الإمام بين الوطنية والاستبداد :
كانت مصر في تلك الفترة تحكمها سلطتان، سلطة الاحتلال الإنكليزي ممثلة بأخطر
مندوب سامي بريطاني دهاء ومكرا وهو اللورد كرومر، وسلطة محلية تحكم تحت سلطة
الاحتلال الإنكليزي وهي سلطة مغطاة بالشرعية العثمانية، وتشكل استمرارا
عائليا وراثيا إقطاعيا طغيانيا لمحمد علي ممثلة بالخديوية، هذه السلطة غدت في
عين محمد عبده- بعد تجربته الأوربية- مثالا للانحطاط الشرقي الاستبدادي، وفق
تفرد الإمام بإدانة شديدة لتجربة محمد علي الاستبدادية بوصفه المؤسس لحكم هذه
الأسرة، وذلك بالاختلاف مع رأي أستاذه الأفغاني وبالاختلاف مع المنظور السائد
الراهن الذي تتداوله الكتب المدرسية العربية من تعظيم وإجلال لمحمد علي، وذلك
لأن المدرسة العربية المعاصرة تشكل ردة وانتكاسا عن المنظور التربوي الذي أسس
له الإمام، وهو المنظور المناهض للاستبداد والطغيان، انطلاقا من أن
الديكتاتورية شر في ذاتها لا تبررها أية إنجازات عسكرية أو توسعية مادامت
تتحقق على حساب إنسانية الإنسان وكرامته، وهي بهذا المعنى لا يمكن لها أن
تكون لها إنجازات أبدا... وذلك بعد أن عاش الإمام أنوار التقدم العلمي
والتقني والسياسي (المادي الملموس) لأوربا، وهو الممتلئ الداخل بأنوار
المعرفة اللدنية العرفانية الصوفية وحدوسها وتساميها الأخلاقي، أي النور
(الروحي)، فالتقت أنوار الداخل الوطني بأنوار الخارج الأوربي لدى الإمام
لتعبر
عن ذاتها بثقة عالية في النفس هي ثمرة كبرياء الداخل لمملكة الفكر التي كان
قد لمسها الأفغاني لدى تلميذه عندما قال له ذات مرة " قل لي بالله.. أي
أبناء الملوك أنت! ؟ "
ذلك هو المشهد لواقع نظام الحكم السياسي في مصر، سلطة احتلال من جهة، وسلطة
محلية لكنها ليست مصرية في كل الأحوال تستمد شرعيتها من النظام الأوتوقراطي
الإقطاعي العثماني - وهما سلطتان في كل أحوالهما غريبتان عن الجسد المصري
جنسا وروحا.
وقد كان حذر الأستاذ الإمام وتوجسه في موضعه من القصر المتخلف الذي يناصبه
العداء لفكره الحداثي التنويري، إذ سيرفض الخديوي توفيق أن يستأنف الشيخ
التدريس خوفا من تأثيره في تلاميذه، فعينه قاضيا في " المحاكم الأهلية " التي
أنشئت سنة 1883 بموجب القوانين الوضعية الجديدة إذ عين في البداية قاضيا في
محكمة " بنها " لإبعاده عن القاهرة أيضا سنة 1889، ثم انتقل إلى محكمة
الزقازيق فمحكمة عابدين، ليرتقي إلى مستشار في محكمة الاستئناف سنة 1891،
وسيستمر في سلك القضاء حتى سنة وفاته 1905.
لكن تفضيل الإمام التعامل مع الإنكليز رمز (الحداثة الغربية الديموقراطية )
على التعامل مع سلطة القصر رمز (التقليدية الشرقية الاستبدادية ) فتحت عليه
أبواب التشنيع (الوطني) رغم غربة السلطتين عن المجتمع المصري، وهذا يعبر عن
مدى الخلط في العقل العربي والمسلم بين الوطنية والدين، فهذا العقل يفضل
القصر لافتراضه أنه مسلم بالضد من الإنكليز لافتراض أنهم نصارى، في حين أن
حقيقة الأمر أن الاثنين (كرومر والقصر) لا علاقة لفلسفتهم السياسية بالانحيازات
الدينية، وهي الصورة ذاتها التي تلتبس في عيون شبابنا اليوم عندما يضللون
وبسهولة أن القنبلة النووية الإيرانية أو الباكستانية هي قنبلة إسلامية،
فيتعاطفون معها جاهلين أن سباق التسلح تحكمه فلسفة المصالح القومية وليس
فلسفة العقائد الدينية والشرعية، بل ومتناسين أن الهوية العربية تسحق في
إيران باسم الدين ولصالح الهوية القومية الفارسية...!!
وقد ساهم القصر ذاته - الذي يحكم تحت أسنة الاحتلال الإنكليزي كما ويحكم
باسم الشرعية العثمانية - بالتشكيك بوطنية الإمام، حيث ستتكرر هذه المفارقة
التي ستسم التاريخ السياسي العربي الحديث، وهي مفارقة أن النظام السياسي
العربي كان دائما يدين بوجوده للحاجات الإقليمية للخارج، في حين يتهم كل من
يناوئه أو يعارضه بشبهات الارتباط بالخارج، فالنظام العربي بعد سقوط التجربة
الدستورية في العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي العشرين لم يستند يوما
إلى شرعية داخلية: مجتمعية وشعبية، أي لم يكن في يوم من الأيام ثمرة إرادة
شعبه دستوريا: قانونيا وانتخابيا، بل ظل دائما يستمد شرعيته من الخارج، ومن
اللعبة الإقليمية لصراع الأمم الغربية الاستعمارية حتى اليوم لكن تحت مزاعم
السيادة والوطنية والمقاومة والممانعة...
هذا النظام ذاته الذي تواطأ مع احتلال بريطانيا لمصر والذي يعيش تحت حراب
المحتل مباشرة سيشن حملة عبر عملائه تشكك بوطنية محمد عبده لأنه وقف دون
أطماع الخديوي عباس في الاستيلاء الشخصي على أراضي الأوقاف، إذ لجأ الإمام
لكرومر سنة 1899 طالبا تدخله بوصفه الوحيد القادر
أن يضع حدا لمطامع الخديوي.
بل إن موقفه الأقرب لكرومر (الأوربي) من القصر (العثماني: الشرعية ) سيجر
عليه غضب معلمه وأستاذه الأفغاني، إذ راح الأخير يعنف تلميذه ويكثر من هذا
التعنيف في رسائله، بعد ان استقر في الأستانة عاصمة السلطنة سنة 1892 معطيا
لنفسه الحق في النطق باسم الوطنية، دون أن يجد معرة بانحيازه للسلطنة بوصفها
قوة خارجية وأن موقف الأفغاني هذا لا يختلف من منظور وطني عن الانحياز
للإنكليز، وأن الاشتراك مع السلطنة بالدين شعار لا يمنح العربي شرعية وطنية
(متفوقة) عندما يقف إلى جانبها، تماما كما هو الأمر بالنسبة لإيران التي
يتهوس بعض العرب اليوم للتحالف مها تحت وهم الوطنية والمقاومة والممانعة
الزائفة...!
من الواضح أن خاتمة مطاف استقرار الاثنين الأستاذ الأفغاني وتلميذه عبده، هي
تعبير عن انحيازات استراتيجية، الأول اختار الأستانه وهي عاصمة الإمبراطورية
العثمانية التي لم يكن ينظر لها كاستعمار بسبب وحدة الدين، بينما الثاني
اختار العودة والإقامة في بلده مصر في ظل الاحتلال البريطاني ليختار المدافعة
السلمية ضد الاحتلال والاستفادة من تفوق الآخر (حضاريا: علميا وسياسيا
وثقافيا ) من أجل بناء دولة وطنية حديثة مستقلة تستند إلى الشرعية الدستورية
البرلمانية، فاعتبر الأول الأفغاني نفسه أنه في موقع المبادرة الهجومية
وطنيا، إذ اعتبر أن خياره هو المعبر عن أصالة الانتماء الوطني، بينما يدين
تلميذه لأنه يقبل بالمشاركة في قيادة إصلاح بلاده سلميا ودستوريا وديموقراطيا
وتربويا في ظل الاحتلال الإنكليزي، على هذا يكتسب القبول بسيطرة الدولة
العثمانية طابع الشرعية وطنيا، بينما يكتسب القبول بالعيش في الوطن مع رفض
الاستعمار البريطاني سلميا مدعاة للتشكيك والتنديد والاتهام بالجبن، يكتب
الأفغاني لتلميذه ردا على رسالته: " إن الرسالة ما وصلت... ولا بينت لنا
موضعها، وجلاً منك... قوى الله قلبك ؟!
إن مثل هذا الخطاب التقريعي والتوبيخي كان صعبا على نفس الإمام التي تتوفر
على زهو الملوك كما كان يتراءى للأفغاني نفسه نحو تلميذه، بل وكبرياء
الفراعنة على حد تعبير الخديوي عباس نقول: إن هذا الخطاب صعب على كبرياء
التلميذ حتى ولو كان مصدر التقريع من الأستاذ والمعلم والولي الأعظم على حد
وصف الإمام لأستاذه الأفغاني، بل وربما تتأتى قسوته الجارحة أنها تأتي من
الأستاذ الذي تظهر لنا رسائل الإمام: كم هو حريص على كسب رضا الأستاذ على
تلميذه.
هذا الأثر الشديد الذي تركته رسائل الأفغاني التعنيفية، جعلت الإمام وهو
التلميذ الأول والمحب الأول يصمت كمدا وحزنا عند وفاة الأستاذ، فلا يشارك في
رثائه في الصحافة يوم وفاته في 9 مارس 1905، لكنه سيعبر لاحقا عن درجة حزنه
لفقدانه للأستاذ الذي يعتبر أن عطاءاته له تفوق نوعيا عطاء أبيه الذي منحه
الحياة، وذلك:" إن والدي أعطاني حياة يشاركني فيها (علي) و (محروس)، والسيد
جمال الدين الأفغاني أعطاني حياة أشارك بها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى،
والأولياء والقديسين، ما رثيته بالشعر لأني لست بشاعر، ما
رثيته بالنثر لأني لست بناثر، رثيته بالوجدان والشعور، لأنني إنسان أشعر
وأفكر!؟"
الدور التربوي التنويري التحديثي:
إن اللحظة الانعطافية الكبرى في حياة الإمام التي منحته هذا اللقب (الإمام)
هي تعيينه مفتيا عاما للديار المصرية سنة 1899، هذه المكانة ستمنحه دورا
فاعلا أكبر في جهاز الشرعية الدينية، حيث سيتيح له هذا الموقع دورا اجتهاديا
أهله وفوضه لإصدار فتاويه الشهيرة التي فتحت أبواب مصر مشرعة أمام الحداثة،
وهي الفتاوى التي أباحت إيداع الأموال في صناديق التوفير وأخذ الفائدة عليها،
وحليّة ذبائح أهل الكتاب، وجواز ارتداء ملابسهم، هذه الأفكار أحدثت في زمنه
حوارات ومساجلات تتجاوز حدود مصر إلى العالم العربي والإسلامي، نظرا لأهمية
مصر الدينية من خلال النفوذ العلمي للأزهر إسلاميا والموقع الذي كان يحتله
الإمام في العالم العربي والإسلامي.
لقد راح يستفيد من خبرته في تفسيره العقلاني العصري للقرآن، ليقدم التفاسير
التشريعية التي تستجيب لتحديات العصر، وتتيح لمصر أن تلج العالم الحديث ليس
على مستوى المكان فحسب بل وعلى مستوى الاندراج بالزمان، لتجاوز الفوات
الحضاري الهائل بين المجتمع العربي و الإسلامي من جهة والمجتمع الغربي
الأوربي من جهة ثانية، هذا الفوات المتمثل بذلك التناقض بين وجود الأمة في
المكان المعاصر مع وجودها في الآن ذاته- في الزمان الغابر، فكانت فتاوى محمد
عبده مصريا وعربيا واسلاميا بمثابة انتقال بالزمان القروسطي الذي يعيشه العقل
العربي والإسلامي بمثابته وعيا راهنيا لكي يتطابق مع مكان العالم الإسلامي
الذي يحتله بضرورة الجغرافيا في العالم الحديث.
ففي الفترة التي كان يطلق فيها فتاويه الاجتهادية حياتيا واجتماعيا ومعاشيا
كان يلقي دروسه في تفسير القرآن الكريم في الجامع الأزهر من يونيو 1899 حتى
رحيله سنة 1905، ليصدم العقل الراكد في بحر الأساطير بمنهجية تستند للعلوم
الطبيعية في التفسير والتأويل، إذ يؤول الجن في القرآن مثلا بالميكروبات،
ويحاول تأويل ما ورد في القرآن عن أصل الإنسان تأويلا يتوافق مع نظرية
داروين، ويرى أن في القرآن محلا لنظريتي "تنازع البقاء، والبقاء
للأصلح...وغير ذلك "
إذ في شهر يونيو من عام 1899 سيسند له هذان الدوران، دور المفتي، و دور
المدرس في الأزهر، وفي هذا الشهر ذاته من العام ذاته، 25 يونيو 1899 سيعين
عضوا في "مجلس شورى القوانين" أي المجلس التشريعي، الذي كان قد أنشئ سنة
1883، كهيئة صغيرة تقتصر مهمتها على المناقشة وإبداء الرأي، وهي تتألف من
ثلاثين عضوا، بعضهم يعين تعيينا وبعضهم تنتخبه فئة محدودة من الناخبين، لكن
الأستاذ عبده، الذي تعرف على القيم الدستورية المدنية في أوربا، كان متلهفا
إلى مثل هذا الدور، فكرس الكثير من وقته لهذا المجلس، النواة الفاصلة في
الانتقال بالمجتمع المصري من واقع المجتمع الأهلي في مرحلته الطبيعية
التقليدية الأولى، إلى مرحلة المجتمع المدني الحديث القائم على المواطنة في
مواجهة مجتمع الدولة العثمانية القائمة على روابط الملة، والطائفية
المذهبية...!
يبدو أن الإمام مع نهايات القرن التاسع عشر بدأ ينتزع مكانة مهمة بوصفه قائدا
من قادة الفكر إن لم يكن قائد قادة الفكر في مصر، بل وربما غدا الشخصية
الأبرز في الشرق العربي والإسلامي بعد وفاة أستاذه الأفغاني، ولعل هذا ما
يفسر اضطرار العرش على قبوله كأمر واقع إذ يسند له في سنة واحدة منصب
الإفتاء وعضوبة المجلس التشريعي، والعودة إلى التدريس في الأزهر بعد معاندة
طويلة لابعاده عنه باتجاه مناصب القضاء.
لقد احتل مكانته الإمامية التي تتجاوز المعنى الرسمي الافتائي إلى المعنى
الفكري والثقافي، إذ سيكون له تلاميذ ومريدون، ليس بالمعنى التقليدي المشيخي،
بل بالمعنى الحديث، إذ صار يمثل مدرسة فكرية ذات مميزات منهجية خاصة، وهذا ما
يفسر أن معظم نخبة ذلك الزمن الذين وسموا زمنهم بنشاطهم وفعاليتهم الفكرية
والسياسية كانوا يمتون بصلة التلمذة لمدرسة محمد عبده.
الحلقة الأولى من بحث من كتاب عن محمد عبده صدر عن معهد الدراسات
الاستراتيجية العراقي بيروت 2006
|