berbang.net

صدورالبيان الختامي لأعمال المؤتمر التأسيسي الأول لاتحاد الحقوقيين الكرد في سوريا  *  الافراج عن معتقلي نوروز 2006 في حلب  *  حوار مع محي الدين شيخ آلي  *  أحمد جب يعزف أمام أكثر من 10 الالآف من الحضور
 



berbang.net

من التعايش إلى المواطنة

جاد الكريم الجباعي

أشرت من قبل إلى أن الدلالة العميقة للمخاض الأليم الذي يشهده العراق، وقد تحرر من ربقة الاستبداد، وخرج من النسق الشمولي أو شبه الشمولي منهكاً، هي إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة، الدولة / الأمة، أي دولة الكل الاجتماعي، بوصفها تجريد المجتمع المدني وتحديداً ذاتياً للشعب[1]، وإعادة بناء الوطنية العراقية، أو الهوية العراقية، بما هي وعي الانتماء إلى الوطن العراقي والدولة العراقية انتماء طوعياً حراً لا ينازعه انتماء آخر، ولا يناقضه، سواء كان هذا الانتماء الآخر انتماء إلى "الأمة" العربية أو إلى "الأمة" الكوردية أو إلى غيرهما من الانتماءات ما دون الوطنية وما فوق الوطنية[2].

ورأيت في الفدرالية صيغة متقدمة للتعبير عن وحدة التنوع والاختلاف الجدلية، ولإعادة بناء الوطنية العراقية على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، التي أدى غيابها إلى تعطيل التاريخ الداخلي للبلاد وأدخلها في نفق الشمولية والاستبداد. ونقدت، في الوقت نفسه، مفهوم "الفدرالية القومية"، الذي يوحي بتبعية المواطنين الكورد، في جميع أنحاء العراق، سياسياً وقانونياً لإقليم كردستان، وتبعية المواطنين الشيعة لإقليم الجنوب والمواطنين السنة لإقليم الوسط، حيث تلتبس القومية والمذهبية، في الوسط والجنوب، فتغدوان شيئاً واحداً، وفي هذا ما فيه من التعسف والازورار عن حقائق الواقع والتاريخ؛ لأن مفهوم "الفيدرالية القومية" يتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، فيدرالية كانت أم غير فيدرالية؛ الدولة التي يتطابق مفهومها مع مفهوم الوطن ومع مفهوم الأمة، بالمعنى الحديث، الذي يستبعد أي دلالة عرقية أو دينية أو مذهبية أو طبقية. الدولة الوطنية لا يجوز أن تتصف بأي صفة من صفات الفرد الطبيعي، كأن تكون عربية أو كوردية أو سنية أو شيعية، أو دولة هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك أو هذا الحزب أو ذاك .. إلخ، ولا تستطيع أن تنظر إلى أعضائها إلا بصفتهم مواطنين مجردين من جميع صفاتهم الشخصية ومن سائر الفروق والتعيينات الاجتماعية، ومن تحديداتهم ومحمولاتهم الذاتية، ما قبل الوطنية وما فوق الوطنية على السواء، وإن كانت فدرالية؛ وبذلك تضع حداً مفهومياً وواقعياً فاصلاً بين المجتمع المدني، ميدان التعدد والاختلاف وتعارض المصالح الخاصة، وبين المجتمع السياسي، ميدان الوحدة، وحدة التعدد والاختلاف والتعارض الجدلية. فما دامت الدولة كائناً حقوقياً وسياسياً وأخلاقياً فإن جميع مواطنيها من النساء والرجال، على السواء، ليسوا سوى أشخاص قانونية وسياسية وأخلاقية. وكما أن الفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني، فإن المواطن هو أساس الدولة السياسية. المواطن هنا هو تجريد الفرد الطبيعي، والدولة السياسية هي تجريد المجتمع المدني. فقد آن الأوان أن تفكر البشرية العاقلة في الدولة على أنها كائن أخلاقي على صورة الإنسان ومثاله، وفي أن سمو الروح الإنساني يؤسس سمو القانون، بصفته الضمانة الفعلية للحقوق والحريات الأساسية، وتعبيراً حقوقياً عن المساواة وعن روح المواطنة، وانتصاراً على الجهل والهوى.

فإن الناس لم يتحدوا قط اتحاداً راسخاً ودائماً ومنفتحاً على المستقبل سوى في العصر الحديث مع بزوغ مبدأ المواطنة العلماني، على صعيد الدولة الوطنية الحديثة، وبزوغ مبدأ الإنسان وحقوق الإنسان، على الصعيد الكوني، وهو مبدأ علماني أيضاً. وكلاهما: المواطن والإنسان تجريد للفرد الطبيعي، وهذا التجريد هو أساس المساواة وضمانة الحرية. المواطنة والإنسانية مقولتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل، لأنهما من طبيعة العقل؛ والعقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس.

الوحدة الوطنية لا تعني، في أي حال من الأحوال، طمس الفروق ونفي الاختلاف وإلغاء المصالح الخاصة المتعارضة، بل تعني إعادة بناء الوجود الاجتماعي على مشتركات لا تفاوت فيها بين الأفراد والجماعات ولا تنازع عليها، من دون حذف أي صفة من الصفات غير المشتركة، والمواطنة أو الوطنية، وهما بمعنى واحد، هي الشيء المشترك بين جميع مواطني دولة بعينها، والإنسانية هي الشيء المشترك بين جميع "بني آدم". على أي مبدأ غير مبدأ المواطنة ومبدأ الإنسانية لا يمكن أن يقوم مجتمع حديث ودولة وطنية منفتحة على بيئتها الإقليمية والعالمية وعضو في المجتمع العالمي وفي النظام السياسي العالمي. مبدأ المواطنة هو مبدأ حرية؛ وهو "دين" الدولة الحديثة، التي لا يجوز أن تتصف بأي صفة من صفات الفرد الطبيعي، ولا يجوز أن تنحاز إلى أيٍ من محمولاته وتحديداته الذاتية.

الدولة، التي على صورة الإنسان ومثاله، ليست مملكة القوانين فحسب، ولكنها ملكوت الحرية في تموضعها وانبساطها التاريخيين. والحرية، في أكثر تعريفاتها تعقيداً وغموضاً، وهو أفضل تعريفاتها على الإطلاق، هي جوهر الإنسان وماهيته، وهي لذلك جوهر الفكر وماهيته. ليس هنالك من قوة تستطيع إجبار الإنسان على أن يفكر كما تريد، في حين هناك كثير من القوى تستطيع إجباره على أن يفعل ما تريد، ولكنه إذ يفعل ذلك يخرج فعله من دائرة الفعل الإنساني، ولذلك كان كل إجبار أو إكراه أو استتباع أو استبداد أو استعباد إزهاقاً للروح الإنساني وإزهاقاً لحرية الفكر التي لا تكتمل، ولا تفصح عن مكنوناتها، إلا بالعمل، لأن العمل هو أبو الفكر والطبيعة أمه. الفكر عمل بالقوة، والعمل فكر بالفعل؛ ومن ثم، يمكن إعادة صوغ الكوجيتو الديكارتي: "أنا أفكر إذاً أنا موجود" بقولنا: أنا أفكر إذاً أنا حر[3]؛ إذ الوجود البشري من دون تفكير، أي من دون حرية، هو محض وجود طبيعي حي، أي محض وجود حيواني. الإنسان ينتج ذاته، ينتج ماهيته، ينتج حريته، في العالم وفي التاريخ، والدولة الحديثة من أرقى منتجات الإنسان، ولذلك رأى فيها الفيلسوف الألماني هيغل تجسيداً للعقل، أي تجسيداً للحرية.

أردت أن أقول إن الدولة الوطنية الحديثة هي ملكوت الحرية الموضوعية، وأنها "إنسان مموضع"، بتعبير كارل ماركس، وأنها شكل سياسي، مجرد شكل، للوجود الاجتماعي الذي ينسجه التطور التاريخي. ومن ثم، يجب إعادة التفكير في الدولة الوطنية، في ضوء الوقائع القائمة على الأرض، أي في ضوء الواقع العياني، ببعديه الزماني والمكاني. والتفكير في الدولة وإعادة تعريفها هو، في الوقت ذاته، تفكير في الأمة وإعادة تعريفها، بدلالة الدولة، لا بدلالة الرغبات والأوهام الذاتية.

الفيدرالية دولة حديثة، قبل أن تكون فيدرالية؛ الفيدرالية صفة تابعة للدولة، والصفة لا تستنفد الموصوف. الفكر السياسي عندنا يحل الصفات محل الذوات[4]، يناقش الفيدرالية فبل أن يناقش الدولة، ويتخذ من الصفات مواقف قطعية ونهائية، فيرى فيها خيراً عميماً أو شراً مستطيراً. والخوف كل الخوف أن نعبد الفديرالية ولا نصل إلى الدولة، بما هي فضاء سياسي مشترك، أو بما هي مجتمع سياسي عمومي، أي بما هي جمهورية عراقية أو سورية تستنفد حدود سائر "القوميات" التي تتألف منها، فتغدو هذه القوميات  متساوية في القيمة وفي الحقوق المدنية والسياسية والثقافية تساوي المواطنين في المواطنة، أي في الحقوق المدنية والسياسية وفي الواجبات والمسؤوليات والالتزامات؛ هنا تكمن مسؤولية الكورد العراقيين، ومسؤولية العرب وغيرهم بالطبع، ولكن، مسؤولية الكورد أولاً، بحكم ما يحتاجون إليه من مجاهدة النفس للانعطاف إلى الواقع والعمل على أساس ممكناته، وحسم خياراتهم في الدولة الفيدرالية والمواطنة العراقية والنظام الديمقراطي.

التعويل على القوى الوطنية الكوردية وعلى المواطنين الكورد العراقيين وتحميلهم مسؤولية تاريخية، سياسية وأخلاقية، يتأتى من اعتقادنا العميق بأن الكورد، حين يحسمون خياراتهم، ويتطلعون إلى المستقبل من خلال ممكنات الواقع، هم ضمانة أكيدة لنجاح مشروع الدولة الوطنية العراقية، وإعادة بناء الوطنية العراقية. وعلى الأكثرية العربية أن تعي ذلك وألا تفوت هذه الفرصة التاريخية. وهم إلى ذلك ضمانة أكيدة لعلمانية الدولة وعلمانية السياسة، في الوقت الذي تبدي فيه الأكثرية العربية انحطاطاً مريعاً في الوعي ينذر بعواقب وخيمة، لا على مشروع الدولة الوطنية فحسب، بل على مجرد التعايش والتساكن، ويكاد يلتهم ما تتوفر عليه النخبة العربية من وعي علماني وديمقراطي وحديث أو يجرفه إلى مستنقع الطائفية والتعصب العرقي؛ ولا أدل على ذلك من الإرهاب المنفلت من كل عقل وعقال؛ فإن اللجوء إلى الإرهاب لتحسين المواقع واستجلاب المكاسب لا يذهب بالعراق إلى أي مكان سوى الحرب التي يخسر فيها الجميع. ولا أغالي إذا قلت: إن مستقبل المنطقة سيتقرر في العراق، ولا نزال نأمل أن تكون الديمقراطية هي هذا المستقبل، ولكن قبل الديمقراطية هنالك الدولة الوطنية أو الدولة السياسية، دولة جميع المواطنين بلا استثناء ولا تميز.

الانتماء إلى الدولة/ الأمة العراقية أو السورية أو اللبنانية ... لا ينفي بأي حال من الأحوال انتماءات الأفراد والجماعات الوجدانية والثقافية: الدينية والمذهبية والقومية، أو الأيديولوجية والفكرية، ولكن الدولة، بقدر ما تكون عقلانية وعلمانية وديمقراطية، وبقدر ما تظل وفية لمبدئها تتيح أفضل الفرص لنمو هذه الانتماءات وتطورها، في رحاب المجتمع المدني، وفي ظل القانون، وتعيد بناء العلاقات الاجتماعية على مبدأ المواطنة، الذي يعني المساواة والمشاركة والمسؤولية.

ليس لدي أي وهم في أن هذه العملية التاريخية، عملية بناء الدولة العراقية والمواطنة العراقية، لا يمكن إنجازها بين عشية وضحاها، لا بحكم المصاعب والعرقلات التي تعترض طريقها فحسب، بل بحكم كونها عملية تاريخية كبرى تحتاج، فضلاً عن مشاركة جميع الفئات الاجتماعية مشاركة إيجابية في عملية البناء، إلى شروط ذاتية وموضوعية يصعب توفيرها بعد كل ما تعرض له العراق من خراب تجاوز البنى التحتية والاقتصاد والعمران ومعيشة الكتلة الأساسية من المجتمع إلى العلاقات الاجتماعية وإلى الثقافة والسياسة والأخلاق. ولعل من أهم الشروط الذاتية نقد الأيديولوجيات التي حكمت رؤية القوى الاجتماعية والسياسية وسيطرت على المجال الثقافي على مدى عقود، وكانت، على العموم أيديولوجيات راديكالية، "ثورية"، قومية كانت أم اشتراكية أم إسلامية، وكانت راديكاليتها، ولا تزال، مظهراً من مظاهر التطرف واللاعقلانية في الفكر والسياسة، وأزعم أنها كانت من أهم العوامل التي أدت إلى الشمولية والاستبداد، ومن أهم العوامل التي أنتجت العنف والإرهاب. وليس غريباً أن تقترن "الثورة" بالإرهاب، من إرهاب اليعاقبة في الثورة الفرنسية إلى إرهاب البعثيين في الثورات المزعومة مروراً بإرهاب النازيين والفاشيين والشيوعيين، ما يدفعنا اليوم إلى معارضة مفهوم الثورة وتجلياته الواقعية بمفاهيم النهضة والتنوير والإصلاح معارضة لا تهدف إلى إقامة الحد على مفهوم الثورة فحسب، بل إلى نقد الأسس المعرفية والثقافية التي جعلت من الثورة في بلادنا، على الأقل، تطرفاً ذميماً وإرهاباً موصوفاً وإلغاء لفاعلية المجتمعات وتسلطاً على مقدراتها.

الثورات التي شهدتها شعوب شتى وبلدان شتى منذ ثورة أكتوبر 1917، لم تؤد كلها إلى تقدم تلك الشعوب والبلدان، بل إن بعضها انتهى إلى نظم استبدادية شمولية (توتاليتارية) أو شبه شمولية، ما سقط وتفكك منها، ولا سيما في البلدان الأكثر تأخراً، تكشََّف عن انتكاس الشعوب التي ابتليت بها إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى السديمية والاختلاط والاقتتال الداخلي وانحلال عرى التضامن والتكافل الاجتماعيين، أعني انحلال العقد الاجتماعي وتهتك النسيج الوطني وانهيار الدولة أو ما تبقى منها. أخشى، وأنا أتحدث عن هذه الخواتيم الكارثية لأنظمة مشابهة للنظام السوري، أن تتعرض سورية أيضاً لخاتمة مشابهة، لا قدر الله، لا ينفع شيئاً بعدها تحميلُ المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك، ما يلقي على السوريين المقيمين والمهاجرين، بلا استثناء ولا تمييز بين من هم في السلطة ومن هم في المعارضة ومن هم بين بين، مسؤولية تلافي مثل هذه الخاتمة، إذ لا بد من خاتمة، فقد أكلت "الثورة" أبناءها، وقطعت نسلها بيديها، وتحولت إلى نوع من مسخ سياسي يبدو اللوياثان إلى جانبه كائناً رحيماً. أقول هذا وأنا أتصور الدولة الوطنية المنشودة كائناً أخلاقياً على صورة الإنسان ومثاله.

وما أحسب إلا أن هذه الأيديولوجيات المتطرفة تخوض آخر معاركها سواء في الإرهاب، الذي لا غاية له سوى الحؤول دون بناء الدولة، بعد أن أجهز النظام البائد على جميع مقوماتها، أو في التجاذبات الدينية والمذهبية والعرقية التي لا تزال تحكم العملية السياسية وتعطل ما وصفناه بالعلمية التاريخية أو تضع مزيداً من العقبات في طريقها، ولا سيما أن بعض القوى الأساسية التي يفترض أنها معنية بهذه العملية لا تزال استطالات محلية لقوى خارجية، إقليمية أو دولية، كأن الزمن قد عاد بنا من جديد إلى "المسألة الشرقية"، وكأن الرجل المريض لا يزال مريضاً.

الأيديولوجية القومية بوجه خاص، عربية كانت أم كوردية نُسجت حول عدد من النوى الصلبة: العرق أو الأصل واللغة والأرض والتاريخ (= الماضي) وغيرها، فنتج من هذه العناصر مفهوم الأمة العربية أو الكوردية الذي لا يعدو كونه تركيباً ذهنياً، تصورياً أو تخيلياً، لم يكن له وليس له اليوم أي مرتسم واقعي. ولا تزال الأفكار والتصورات والرؤى والمواقف تتناسل من هذه النوى، التي صارت يقينيات غير قابلة للفحص والنقد، وممنوع التفكير فيها، تحت طائلة التكفير والتخوين والعزل والإقصاء إن لم يكن أكثر من ذلك، بل بات ممنوعاً التذكير بالأطر المرجعية التي تنتمي إليها[5].

الأمم شيء حديث، شيء جديد على التاريخ، لم تكن معروفة في الأزمنة القديمة، وكذلك الدول، بخلاف أوهام العرب والكورد وغيرهم ممن لم يدخلوا الأزمنة الحديثة بعد، أو ممن دخلوها ظهرياً، ولا يزالون يديرون ظهورهم لها.

سأقتبس من رينان الذي يقول: "لقد شهد العهد الكلاسيكي القديم جمهوريات وممالك بلدية، كونفيدراليات لجمهوريات محلية، إمبراطوريات; لكنه (العهد القديم) لم يعرف الأمة بالمعنى الذي نفهمه[6]" اليوم. وأضيف أنه لم يعرف الدول بالمعنى الذي نفهمه اليوم؛ تلك الجمهوريات والممالك والكونفدراليات والإمبراطوريات لم تكن تتوفر على كثير من العناصر المشتركة بين أفرادها، بل، على العكس، كانت تضم جماعات مختلفة وأقوام شتى متحاجزة وحدتها القوة والغلبة، فلم تصر أمماً؛ ولم تبن دولاً.

"جوهر الأمة يكون في وجود الكثير من الأشياء المشتركة بين سائر أفرادها". الأمة الحديثة هي نتيجة تاريخية حملتها سلسلة من الوقائع المتلاقية في الاتجاه ذاته. تحققت الوحدة تارة على يد سلالة حاكمة، كما هي الحال في فرنسا; وتحققت تارة أخرى بفضل الإرادة المشتركة للأقاليم، كما هي الحال في هولندا، وسويسرا، وبلجيكا، وحصلت الوحدة تارة أخرى بفضل روح عامة تغلبت بعد تأخر ما على أهواء الإقطاعية، كما هي الحال في ايطاليا وألمانيا. كان هناك دوماً سبب وجود عميق ترأس هذه التشكيلات[7]، لا علاقة له بالعرق أو اللغة أو الأرض أو "التاريخ المشترك"، كما يفهمها العرب على سبيل المثال.

"لقد أعلنت فرنسا من خلال الثورة الفرنسية أن الأمة تنوجد بذاتها"، من دون مبدأ سلالي أو عرقي ومن دون لغة مشتركة وبغض النظر عن الأرض  ذات الحدود الطبيعية.

ما من شك أن اللغة تقبع في أساس الاجتماع البشري وتدعو إلى تلاقي الناطقين بها، ولكنها لا تقسر أحداً على ذلك. "فالتقدير الحصري للغة، مثله مثل الاهتمام المفرط المعطى للعرق، ينطوي هو أيضا على أخطار وسلبيات. وعندما نبالغ في ذلك فإننا نسجن أنفسنا داخل ثقافة محددة نعتبرها ثقافة قومية، وبذلك نضيِّق الحدود على أنفسنا، وننعزل. نترك الهواء الكبير الذي نتنفسه داخل الحقل الشاسع للإنسانية كي نحبس أنفسنا في وحدات اصطلاحية ملفقة لوطنيين ضيقي الأفق. وما من شيء أضر بالروح من هذا. ولاشيء أسوأ من هذا على الحضارة. فلنعاهد أنفسنا على عدم التخلي عن هذا المبدأ الأساسي، وهو أن الإنسان كائن عاقل وأخلاقي، قبل أن يكون معلباً داخل هذه اللغة أو تلك، وقبل أن يكون عضواً في هذا العرق أو ذاك، ومنتسبا إلى هذه الثقافة أو تلك. إذ قبل الثقافة الفرنسية، وقبل الثقافة الألمانية والثقافة الإيطالية، هناك ثقافة إنسانية. انظروا إلى رجالات النهضة الكبار، لم يكونوا فرنسيين ولا إيطاليين ولا ألمانا. لقد عثروا من خلال تعاملهم مع الأزمنة القديمة على سر التربية الحقيقية للروح البشرية، ونذروا أنفسهم لذلك جسداً وروحاً. لكم كان صنيعهم جيداً![8]"

"الأمة نفس، مبدأ روحي. هناك شيئان، هما في الحقيقة شيء واحد، يكونان هذه النفس وهذا المبدأ الروحي. الشيء الأول قائم في الماضي، والثاني في الحاضر، الشيء الأول هو الامتلاك المشترك لإرث غني من الذكريات; الشيء الثاني هو التوافق الحالي، الرغبة في العيش سوياً، والإرادة القاضية بمواصلة الجهد لإعلاء شأن ما وصل إلينا غير مجزأ. الإنسان، أيها السادة، لا يرتجل نفسه ارتجالاً. والأمة، مثلها مثل الفرد، إنما هي مآل ماض طويل حافل بالجهود والتضحيات ونذر الأنفس، إن عبادة الأسلاف لهي من بين سائر العبادات الأكثر شرعية; فالأسلاف جعلونا نكون ما نحن عليه اليوم. الماضي البطولي، الرجالات الكبار، المجد (أقصد بذلك المجد الحقيقي)، تلك الأشياء هي الرأسمال الاجتماعي الذي نقيم عليه الفكرة القومية. أن تكون هناك أمجاد مشتركة في الماضي وإرادة مشتركة في الحاضر، أن نكون قد صنعنا سوياً مآثر كبيرة، وأن نريد صنع المزيد منها، تلك هي الشروط الأساسية لنشوء شعب. الناس يحبون تبعاً لنسبة التضحيات التي بذلوها، ولنسبة الشرور التي عانوا منها. إننا نحب البيت الذي بنيناه والذي نورثه. إن النشيد الإسبارطي القائل: «نحن ما كنتم، وسنصبح ما انتم عليه»، لهو في بساطته النشيد المختصر لكل وطن.

أن يكون لنا في الماضي إرث من المجد والحسرات نتقاسمه، وفي المستقبل برنامج بعينه نعمل على تحقيقه; أن نكون قد عانينا وابتهجنا وأهلنا سوياً، لهو أمر تفوق قيمته الحدود الجمركية المشتركة والحدود المطابقة للأفكار الاستراتيجية; وهذا ما يفهمه الناس بالرغم من تنوعات العرق واللغة. كنت أقول منذ قليل: «أن نكون قد عانينا سويا»; نعم، المعاناة المشتركة توقد أكثر من الفرح. فبالنظر إلى الذكريات المشتركة، نجد أن حالات الحداد تفوق في قيمتها حالات الانتصار، ذلك أنها تملي علينا واجبات; وتتطلب منا جهداً مشتركاً".

"الأمة إذن تضامن كبير تشكل من الشعور بالتضحيات التي بذلناها سابقا والتي نحن جاهزون لبذلها من بعد. الأمة تفترض وجود ماض، ومع ذلك نراها في الحاضر تتلخص بأمر ملموس: انه التوافق والرغبة الصريحة العبارة في مواصلة الحياة المشتركة. وجود الأمة هو (اعذروني على هذا التشبيه) عملية استفتاء شعري تحصل في كل الأيام، كما أن وجود الفرد هو التأكيد المتواصل على الحياة. أوه! أعرف أن هذا الكلام أقل ميتافيزيقية من الحق الإلهي، وأقل فظاظة من الحق المزعوم بأنه تاريخي. ففي نظام الأفكار التي أعرضها أمامكم، ليس للأمة حق أكثر مما للملك حق في أن يقول لمنطقة من المناطق: «أنت ملكي وإني لآخذك». فالمنطقة بالنسبة إلينا، هي سكان هذه المنطقة; وإذا كان لأحد الحق في أن يستشار في هذا الشأن، فهو ساكن هذه المنطقة. ليس من مصلحة حقيقية لأمة أن تضم إليها أو أن تمسك برقاب بلد رغما عنه. تمنيات الأمم هي قطعاً المعيار الشرعي الوحيد، الذي ينبغي أن نرجع إليه دائماً.

لقد طردنا من نطاق السياسة التجريدات الميتافيزيقية واللاهوتية. ماذا يبقى بعد هذا؟ يبقى الإنسان، رغباته وحاجاته. ستقولون لي إن الانفصال وتفتت الأمم على المدى الطويل، هما النتيجة التي يسفر عنها نظام يخضع هذه الأجسام القديمة لرحمة إرادات هي في غالب الأحيان قليلة التنور، من الواضح أنه في ميدان كهذا لا ينبغي أن ندفع أي مبدأ أكثر من اللازم. إذ إن مثل هذه الحقائق لا تنطبق إلا في مجموعها وبطريقة عامة جداً. الإرادات البشرية تتغير، ولكن ما الذي لا يتغير في هذا العالم الأرضي؟ الأمم ليست شيئاً أبدياً. لقد بدأت وستنتهي. ومن المرجح أن الكونفيدرالية الأوروبية ستحل محلها. ولكن هذا ليس قانون العصر الذي نعيش فيه. ففي الوقت الراهن، وجود الأمم أمر جيد، بل ضروري، إذ إن وجودها هو ضمانة الحرية التي ستضيع إذا لم يعد في العالم سوى قانون واحد وسيد واحد.

نظراً لملكاتها المتنوعة، والمتعارضة غالباً، تخدم الأمم المأثرة المشتركة للحضارة، فكلها تجلب نوطة إلى المعزوفة الكبرى للإنسانية والتي هي، في المحصلة، أرقى أشكال الواقع المثالي الذي يسعنا أن نبلغه. عندما تكون الأمم معزولة تكون حصصها ضعيفة. أقول لنفسي غالبا أن الفرد الذي لديه عيوب تعدها الأمم خصالا جيدة، والذي يتغذى من مجد لا طائل منه، والذي يكون غيوراً وأنانياً ومشاكساً إلى هذا الحد، والذي لا يستطيع تحمل شيء بدون أن يشهر سلاحه، لهو إنسان لا يطاق أكثر من غيره من البشر. غير أن كل هذه التنافرات التفصيلية تتلاشى داخل المجموع. مسكينة أنت أيتها الإنسانية! لكم عانيت! وكم من الشدائد ما تزال تتربص بك! عسى لروح الحكمة أن ترشدك كي تقيك من شتى الأخطار التي تعتور طريقك!

ذلكم أيها السادة ملخص كلامي، ليس الإنسان عبداً لعرقه، ولا للغته، ولا لديانته، ولا لمجرى الأنهر، ولا لاتجاه سلاسل الجبال، إن تجمعا كبيراً من البشر، ذا روح سليمة وقلب حار، يولد وعياً أخلاقيا اسمه الأمة. وما دام هذا الوعي الأخلاقي يبرهن عن قوته عبر التضحيات التي يقتضيها تنازل الفرد لمصلحة الجماعة، فإن هذا الوعي شرعي وله الحق في الوجود"[9].

اقتبست هذه المقاطع الطويلة من محاضرة رينان "ما هي الأمة"، برسم التدرب على التفكير ومواجهة فكرة بفكرة ورأي برأي، علنا نتجرأ على إعادة التفكير في مفهوم الأمة خاصة، بدلالة الدولة الوطنية الحديثة من جهة، وبدلالة التجارب التاريخية للأمم الحديثة من جهة أخرى، من دون أن نغفل حقيقة أن الأمم لا تتشكل على نسق واحد ولا بطريقة واحدة، وليس ما قاله الفرنسيون أو الألمان أو الطليان حقائق مطلقة أو حجة دامغة، في هذا الموضوع أو في غيره. ولكن ما قاله وما يقوله منظرونا القوميون والإسلاميون، وجميعهم بعثيون أو إحيائيون، في موضوع الأمة العربية خاصة، وسأترك موضوع الأمة الكوردية لغيري، لا ينأى عن الحقيقة فحسب، بل ليس له اليوم أي مرتسم واقعي، وما يؤكد نأيه عن الحقيقة مجافاته منطق الواقع والتاريخ، ومحاولته العبثية أو البعثية "بعث" الماضي المفترض أو المتخيَل أو المتوهم في الحاضر بعثاً لم يثمر حتى اليوم سوى استحضار صراعات الماضي ونزاعاته وخوضها في الحاضر والحؤول دون تشكل أمم حديثة ودول/أمم حديثة. آية ذلك أنك لا تجد في العربية، حتى أواسط القرن التاسع عشر، كلمات تدل على الأمة أو الدولة أو المجتمع أو الشعب، كما نفهمها اليوم.

أهم ما يلفت النظر في محاضرة رينان، التي تعمدت إثبات مقاطع طويلة منها لفائدة القارئ، هو تشكُّل الأمة أو قيامها على مبدأ الإرادة الحرة، أي على مبدأ الحرية، الذي يلتقي في العمق بمبدأ "حق تقرير المصير"، بل الذي يؤسس مبدأ حق تقرير المصير، وأن الأمة التي ينسجها تطور تاريخي من جماعات عرقية ولغوية مختلفة تتجسد واقعياً في المجتمع المدني والدولة الوطنية، ولذلك أنوه باختيار القوى السياسية الكوردية والمواطنين الكورد العراقيين والسوريين أيضاً، اختيارهم الوطنية العراقية والوطنية السورية اختياراً حراً، وأرى فيه تدشيناً لعمل تاريخي، أعني بناء الدولة الوطنية الحديثة، عمل انصرفنا عنه عقوداً طويلة ومريرة تحت شعارات الوحدة العربية والرسالة الخالدة وتحقير الدولة القطرية، الذي كان في حقيقة الأمر تعزيزاً للقطرية وتحقيراً للدولة واغتيالاً للوطنية وانتهاكاً لحقوق المواطنين، الذين لم يحولهم الاستبداد البعثي إلى رعايا فحسب، بل إلى كائنات توتاليتارية مسلوبة الإرادة. لم تورثنا تلك العقود سوى الوثنية في الفكر والاستبداد في السياسة، وهل من وثنية أردأ من عبادة تماثيل صدام حسين وحافظ الأسد وصورهما؟! والعبادة هي العبادة: طمع في مغنم عاجل أو آجل، وخوف من مغرم عاجل أو آجل.

الوطنية العراقية والوطنية السورية التي أعني هي عضوية كاملة في الدولة / الأمة العراقية، والدولة الأمة السورية؛ وتحت هذا المستوى السياسي هي عضوية كاملة في الأمة العراقية والأمة السورية، أي في المجتمع المدني العراقي والمجتمع المدني السوري المنشود والمأمول، والذي يحمله الواقع العراقي والواقع السوري، تحت جميع المظاهر التي نرى. إذ لا نماري ولا نشك في أن العراقيين ذاهبون إلى المجتمع المدني، التجسيد العياني للأمة، وإلى الدولة الوطنية، وإن على طريق الآلام. وإذ أقول إن الأمة العراقية أو الوطنية العراقية أو السورية تستنفد حدود جميع "القوميات" التي تشكل نسيج المجتمع المدني العراقي أو السوري، لا أعني أن الأمة العراقية أو السورية تلغي الانتماءات ما قبل الوطنية وما فوق الوطنية أو تشطبها كأنها لم تكن، بل تلغي بادئ ذي بدء طابعها "السياسي"، وتفسح لها في المجال كي تنمو في رحاب المجتمع المدني، والبقبة يتكفل بها التاريخ. المجتمع المدني، بخلاف الدولة يتعرَّف أفراده، كما هم، بجميع صفاتهم الشخصية وبجميع انتماءاتهم وجميع محمولاتهم وتحديداتهم الذاتية، في حين لا تتعرَّفهم الدولة إلا بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق.

من البديهي أن العراق الناهض من خرائب الشمولية والاستبداد والتسلط ومن ويلات الحرب، ولا يزال الإرهاب يشده إلى الخلف بحبال من الدم والموت والدمار، لا بد أن يعيش مرحلة انتقالية لا تخلو من اضطراب وارتباك على مختلف الصعد؛ فضلاً عن مفاعيل الإرهاب الكارثية وانبعاث القوى الظلامية من جوف التاريخ. ولكن من خصائص المراحل الانتقالية المؤلمة أنها مراحل تأسيسية، يتحدد فيها اتجاه سير المجتمع المعني وإيقاع تطوره، ويخوض فيها المستقبل معاركه الحاسمة مع الماضي، في مختلف الميادين، على الرغم مما يطفو على السطح من التباسات قد تخدع النظرة العجلى والنظر المتسرع والمزاج المتشائم.

فقد تبلورت في السنوات الثلاث الماضية، وأرجو أن تكون قد حسمت، خيارات الكورد العراقيين في الدولة الفيدرالية والمواطنة العراقية والنظام الديمقراطي، وهي الخيارات العقلانية التي تستلهم ممكنات الواقع وتتسق مع منطقه، وليس المستقبل سوى ممكنات الواقع؛ ما يعني أن الكورد العراقيين كانوا، إلى جانب القوى العلمانية والديمقراطية، أكثر رهافة في الإصغاء لهمس التاريخ، وأسرع استجابة لحاجات الواقع، ولنداء المستقبل الذي تكمن حقيقته الفعلية في الحاضر، وأكثر قدرة على تلمس نسبة القوى واتجاهات التطور، على جميع الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

وحري بالعرب العراقيين، وهم الأكثرية العددية، أن يحضنوا خيارات الكورد العراقيين وأن يعدوها محرزاً وطنياً لا يجوز التفريط به، وخطوة حاسمة على طريق بناء العراق الجديد وطناً نهائياً لجميع أبنائه ودولة وطنية حديثة تغلب فيها عوامل الجذب إلى المركز على عوامل النبذ، بحيث تغدو هذه الأخيرة انفتاحاً على المحيط، الإقليمي وعلى العالم، بدلالة المصلحة الوطنية لجميع العراقيين، أي بدلالة المصلحة الوطنية للدولة / الأمة العراقية، وبحيث لا تنفرد أي فئة اجتماعية أو أي جماعة عرقية أو أي حزب بتعريف هذه المصلحة، ولا تدعي أي فئة أو جماعة لنفسها أنها أكثر حرصاً عليها من الفئات والجماعات والأحزاب الأخرى؛ فليس في رحاب الدولة الوطنية الحديثة من هو أكثر أو أقل وطنية من الآخر.

لقد آن الأوان أن تكف صفة الوطنية عن كونها حكم قيمة أخلاقياً تطلق على هذا الفرد أو ذاك أو تنزع عنه، أو تطلق على هذه الفئة أو تلك أو على هذه الجماعة العرقية أو تلك أو تنزع عنها؛ فالوطنية هي انتماء الفرد انتماء خالصاً للدولة الوطنية، انتماء خالصاً للوطن، مضمون هذا الانتماء جملة الحقوق والحريات التي يتمتع بها وجملة المسؤوليات والالتزامات الملقاة على كاهله بصفته عضواً في الدولة. فنحن لا نقول ولا ينبغي أن نقول إن المثقف الفلاني وطني، لأن هذا يعني أن غيره من المثقفين ليسوا كذلك،  وأن صفة الوطنية متعلقة بكيانه الفردي؛ ولكننا نقول عن هذا المثقف، على سبيل المثال، إنه مثقف وطني، أي إن وعيه وممارسته وإبداعه وإنتاجه تعانق كلها ما هو عام، وتتخطى بالضرورة انتماءاته ما دون الوطنية، فلا يعود معرفاً بأنه كوردي أو عربي أو سني أو شيعي، بل بأنه مثقف عراقي ينتمي إلى مجموعة المثقفين الذي هم بالضرورة من أصول مختلفة ومن مشارب مختلفة، وما يجمعهم أنهم مثقفون وعراقيون. وعراقيته لا تلغي انتماءاته الأخرى، بل تعيد تعريفها بدلالة الكل، وقل مثل ذلك في الزعيم الوطني أو القائد الوطني. إن صفة الوطني هنا ذات مدلول تشريفي وتكريمي، ولكنها ليست حصرية، وليست مانعة من اشتراك جميع العراقيين فيها. ولا يجوز أن نقول عن حركة سياسية بأنها حركة وطنية إلا بمعنى أنها منتشرة في جميع أرجاء الوطن، وليست محصورة في عشيرة أو طائفة أو جماعة إثنية، وأن أهدافها ومقاصدها تشمل جميع العراقيين، وإن كانت تعبر عن مصلحة طبقة اجتماعية بعينها، فالطبقات الاجتماعية هي طبقات وطنية تضم في صفوفها أفراداً من سائر أنحاء الوطن ومن جميع الأديان والمذاهب والعشائر والإثنيات، بخلاف العشائر والمذاهب والإثنيات؛ بل يمكن القول إن الوطنية تتشكل بالتساوق مع التبنين أو التشكُّل  الاجتماعي (الطبقي) الذي يمنح الأفراد هوية جديدة لم تكن لهم من قبل، وتدمجهم في فضاء اجتماعي وثقافي وسياسي وأخلاقي جديد، فلا يلبثون أن يصيروا أعضاء في نقابات وجمعيات ونواد وجماعات ضغط وأحزاب سياسية، أي أعضاء في بنى اجتماعية ومجتمعية جديدة لا تمت بصلة لبنى المجتمع التقليدي.

وما تجدر الإشارة إليه اليوم أن نظام صدام حسين، أو نظام البعث، قد سقط، ومضى إلى غير رجعة، في العراق، وهو على عتبة السقوط في سورية وعلى عتبة تصفية آثاره في لبنان، ولكن الصدامية لم تنته ولم تمت، بل لا تزال ثاوية في ثنايا الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، لا في صفوف بقايا البعثيين وفلولهم فحسب، بل في سائر القوى والأحزاب الأيديولوجية التي وسمت الحياة السياسية بميسمها على مدى أكثر من نصف قرن، وحالت دون تحديث بنى المجتمع، بل أجهزت على جميع مكتسبات الحداثة، ولا سيما على الصعيدين الثقافي والسياسي. وهو ما يقتضي التنبه إلى علاقة التناسب العكسي بين الأيديولوجيا والسياسة، بين الرؤى والأوهام الذاتية وبين العلاقات الموضوعية، بين الوعي الأيديولوجي الديني أو المذهبي أو الأقوامي (الإثني) أو العشائري أو الحزبي أو الطبقي، وبين الوعي السياسي الوطني.

إن عملية النشوء والارتقاء، عملية الصعود من السديمية والاختلاط اللذين يسمان الوضع العراقي الراهن، إن عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة وبناء المواطنة العراقية، التي تستنفد حدود القومية، بالمعنى الحديث، الذي أشرت إليه، تتوقف على ثلاثة العوامل الرئيسة الآتية:

1 – الثقافة: أعني ثقافة وطنية حديثة منفتحة على منجزات الفكر البشري ومعطيات الخبرة العملية، وعلى تقدم العلم والتقانة واستيعاب أثرهما في صيرورة العالم "قرية كونية" بل "كلية عينية" ذات طابع منظومي يحتم تأثر أيٍ من عناصرها بسائر العناصر الأخرى وتأثيره فيها. الثقافة الوطنية هي هذا النسيج التاريخي الذي يمنح العراق والعراقيين سماتهم الخاصة، بغض النظر عن الأصول العرقية والانتماءات الدينية والمذهبية وغيرها من التحديدات الذاتية للجماعات المغلقة، وهي فضاء مشترك من الحرية يحفز الخلق والإبداع ويستوعب جميع التجارب الروحية، أياً كانت اللغة التي تنسكب فيها هذه التجارب، ويمنح طابعها الفردي روحاً وطنياً بقدر ما هو إنساني وإنسانياً بقدر ما هو وطني. ثقافة وطنية تتأسس على قيم الاعتدال والوسطية والتسامح، وعلى قيم الخير والحق والجمال، بما هي قيم إنسانية عليا من طبيعة العقل ذاته، والعقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، كما قال ديكارت. الثقافة الوطنية مناخ روحي تتشكل فيه ذاتية الفرد وذاتية الشعب وذاتية الأمة، ويتشكل فيه الوجدان والضمير على الصعيدين الفردي والوطني، في علاقتهما الجدلية، على نحو يصير معه الآخر مواطني، أتفق معه أو أختلف تحت هذه الحيثية، حيثية المواطنة، لا حيثية العرق أو الدين أو المذهب أو الانتماء الأيديولوجي.

والإنتاج الثقافي، في أي مجال من مجالات الثقافة، وفي أي ميدان من ميادين المعرفة، هو تجلي الروح الإنساني في أي لغة من لغات بني آدم. وإذا كانت اللغة تمنحه طابعاً خاصاً لا مراء فيه، وتفرض عليه سمات نسقها: الصوتية والنحوية والصرفية والدلالية والجمالية، وتخضعه لقوانينها الداخلية أو لمنطقها الداخلي، المتسق أو غير المتسق، إلى هذا الحد أو ذاك، مع منطق الواقع ومعقولية العالم، فإن الخاص هنا، اللغة العربية أو الكوردية أو غيرهما، ليس سوى تجلي العام، ليس سوى تجلي الروح الإنساني، وبالمعنى ذاته، ليس سوى تجلي الروح الوطني، بوصفه كلاً يحدد جميع أجزائه ولا يتحدد بأي منها. الكل هنا أكبر من مجموع أجزائه، وإلا فلا وطنية ولا إنسانية ولا من يحزنون، بل هوَّامات وهيجانات عرقية ودينية ومذهبية، وخواء روحي.

إن انفتاح الثقافتين العربية والكوردية إحداهما على الأخرى، وانفتاحهما معاً على سائر البنى الثقافية التي لا تزال تعرف نفسها بأنها ثقافات خاصة، هو شرط لازم لنشوء ثقافة وطنية ولانفتاح الثقافة الوطنية على العالم وعلى الثقافة الإنسانية، ولا يتأتى ذلك إلا من فضاء الحرية المشترك الذي تجسده الدولة الوطنية، دولة الحق والقانون. ليس هنالك في عالم اليوم ثقافة خاصة بحصر المعنى؛ إذ ليس هنالك خاص بلا عام ينتمي إليه، ويستمد منه جميع خصائصه الجوهرية، وليس هنالك عام بلا خاص يتجلى فيهن ويكتسب منه وجوده الفعلي. كل خاص هو عام، فلم يعد يليق بالعرب أو بالكورد أو بغيرهم أن يحبسوا أنفسهم في أطر ثقافية مغلقة تفصلهم عن العالم وعن الثقافة الإنسانية. لقد بات ميسوراً للجميع أكثر من أي وقت مضى تخطي الحدود اللغوية، وبات ميسوراً لجميع اللغات أن تنمو وتتطور أكثر من أي وقت مضى، جراء عملية التثاقف الجارية وتيارها الذاهب نحو المواطنة العالمية. وليس بوسع أحد أن يقف في وجه هذا التيار إلا باللجوء إلى الكهوف.

2 – العمل، أو الإنتاج الاجتماعي: أقصد العمل الذي أمه الطبيعة وأبوه الفكر، وغايته إشباع الحاجات الجذرية، والكمالية أيضاً، للمجتمع، أي العمل بوصفه فكراً متحققاً في الواقع أو فكراً مموضعاً، والذي هو شرط للمعرفة ونتيجة لها، وليس لأدواته المستعارة، مهما تكن متقدمة أو متطورة تقنياً، من مردود مناسب على بنية المجتمع وأسلوب حياته واتجاه سيره من دون الحاضنة الفكرية والأخلاقية التي أنتجتها، العمل بوصفه إنتاجاً اجتماعياً مادياً وروحياً بالتلازم الضروري هو الكيمياء الاجتماعية التي تتحول بوساطتها جماعة معينة من مستوى الملة إلى مستوى الأمة، وتصير بوساطته الجماعات المغلقة والمتحاجزة شعباً، ويرتقي بتطوره وارتقائه المجتمع من الحالة الطبيعية أو شبه الطبيعية إلى الحالة المدنية، وينشأ من جراء ذلك التطور وهذا الارتقاء المجتمع المدني والدولة الوطنية / القومية.

 

 



Ev nivîs 51 caran hat xwendin.