berbang.net

 

 
Skip all menusSkip first menu destpek  Nûçe efrin 

 

link
   
 
     
 
   
 
   
 
 

 

مقاربة تجربة الشيوعيين في العالم العربي

وضع لبنان أقرب إلى بولندا منه إلى سويسرا

جورج لابيكا    

منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وجد العالم نفسه مندفعاً إلى حالة حرب. وتقصّد الرئيس جورج بوش أن يعلن عن ذلك بنفسه. في حين ألفى مستشاروه أنفسهم مسكونين بمهمة تحقيق الأمر. لم تلعب مأساة البرجين سوى دور المبرر للانتقال، المعد مسبقاً، إلى عمليات مسلحة تستهدف أفغانستان أولا، ثم العراق. وبما أن التكذيبات الطيبة لم تعد تمارس فلم تعد وقاحة القوة العظمى تمنعها من اللجوء إلى الأكاذيب وانتهاك الحق، في سبيل غاياتها، وهي ثلاث: منع أي تطور وطني مستقل، والتحكم بموارد الطاقة إطلاقاً، ودعم دولة إسرائيل المعتدية في الشرق الأوسط.

يفرض القوي قانونه الخاص فوق القوانين العامة والحقوق المكرّسة عالمياً. وتقود الليبرالية الجديدة، تحت ستار حياد تعابير العولمة والكونية، صراعاً شاملاً من اجل ضمان سيطرتها في كل الميادين الاقتصادية والعسكرية والسياسية والإيديولوجية والثقافية. تتغير الأشكال بتغير الشروط.

هناك بلدان الخط الأول التي تتعرض للعدوان العسكري، كالعراق وفلسطين. تليها مباشرة بلدان الخط الثاني المستهدفة بالعنف السافر نسبياً، من الانقلابات إلى الحصار، مثل كولومبيا وكوبا وفنزويلا. إن لائحة «البلدان المارقة» يعاد صوغها، وتتوسع، لكي تبرمج التدخلات الآتية. وأعادت التجربة العراقية إلى الأذهان نيات البنتاغون بفتح معابر عدة في آن معاً. الأكثر فقراً، الذين يوصفون بخفر «بالأقل تطوراً»، أو «في طور التطور»، يغرقون في بؤسهم تحت ضربات الديون المستحيلة التسديد، والفساد الداخلي، ومنع المساعدات الطبية عنهم، بحيث أصبح الإيدز رديفاً ممتازاً للنيوكولونيالية في إفريقيا. وليست الدول الغنية «الديموقراطية» بمنأى عن هذا، بما فيها الدول «الغربية»، فهزائم المنظمات العمالية، أحزابا ونقابات، العائدة جزئياً إلى انهيار البلدان المسماة اشتراكية، وكذلك انتقال الاشتراكية الديموقراطية نحو الإدارة الليبرالية، فتحت الطريق إلى تصفية الحقوق المكتسبة، والإنجازات الاجتماعية القديمة. إن عمليات الخصخصة والتكييف والتفكيك، التي تكرس بطالة أصبحت «بنيوية»، وكذلك العوائق المفروضة على الهجرة، تنسف المدى الاجتماعي، وتقدم فرصاً جديدة للخيارات العنصرية وشبه الفاشية. إن إبدال القانون بالتعاقدات، وتذويب المواطنية في الطوائفية، يحضران لقيام أوروبا خالية من التقاليد القديمة الطيبة، كـ «الجمهورية الشعبية». ومنذ سنوات يرصد علم الاجتماع ظاهرة مدهشة، هي وجود فئة من «العمال الفقراء»، وانتفاخ جيوب الفقر في العالم الأول. معنى ذلك أن الحرب المشار إليها هي حرب طبقات. وفضيلة العولمة تتمثل في تسريع وعي هذه المسألة، المعولمة بدورها، وإن جرى ذلك تحت القسمات الضبابية للحركة المناهضة للعولمة.

إن الشذوذ الإيديولوجي الذي يمد الهجوم النيوليبرالي بالمشروعية هو أمر معروف. والعنوان هنا هو «صراع الحضارات» الشهير. لا ضرورة للتركيز على ذلك سوى للتدقيق بأنه يمتلك خصوصية تشابه وجهيه، كبعض الألبسة. النسخة والأصل متماثلان تماماً. هنا، يوردون ذكر الله، والقرآن الكريم، والجهاد. وهناك يوردون الله (أو يهوه)، والإنجيل المقدس، والصليبية، التي يماثلها أتباعها بالخير، ويماثلون خصومها بالشر. ومن المعروف أن الأمر لا يتعلق، في الحالتين، إلا بزوايا مظلمة من تاريخ الأديان السماوية، لا بأصوليات كما يزعمون. بل إن الأمر، بالأحرى، يتعلق بظواهر فئوية مغلقة يعتبر المؤمنون أنفسهم غرباء عنها. ولنسجل أيضاً أن التناقض الظاهر يخفي تشابهاً آخر هو تشابه الأصل، لا المرآة وحدها. إنها إجابة الراعي للراعية، وكلاهما حريص على القطيع نفسه، على غرار عائلتي بوش وبن لادن. هذا ليس كل شيء. رابطة الدم لا تعني التساوي في الشروط، مثلما الحال في الأسر. فوق ذلك، هناك هوّة تفصل البدائل: التقدم الخارق في التقنية، من جهة، والطرائق الحرفية، في الجهة الأخرى. وسائل السيد ووسائل الأجير. ليكن، ولنسمّ الأشياء بأسمائها: إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات. ليظل تعبير المقاومة مقتصراً على خصومه/ ضحاياه المشتركين.

شهدت المرحلة الأخيرة، التي دشنت الانتقال إلى حالة الحرب، سيادة خطاب الإرهاب، بديلاً من خطاب الحق في الأيديولوجيا المسيطرة. وتستلهم تعبيراته القوة العسكرية والقرار الإداري، في آن معاً: الصاروخ والدبابة للشرق الأوسط، والمستوى الاجتماعي لأوروبا، والمستوى الإنساني لأماكن أخرى. وواقع ان الإمبريالية قادرة على استخدام كامل أعضائها، كف الحديد وقدم الحرير، مثلاً، لا يجعلها أقل أذية وشراً.

المقابلة في كتاب «الشيوعيون في العالم العربي» بين كريم مروة وعبدالإله بلقزيز تلقي على الخلفية الأساسية لمرحلتنا ضوءاً ذا حيوية إنقاذية. فهو، أي مروة، لا يتمسك بنزع القشور الغريبة بصبر المؤسس، أو الطعن في كل زائف، وحسب، بل يعبر عن نفسه وراء الشاشة، من دون غضب ولا حقد، راوياً و «مناقشاً» الرؤى والهفوات، الصدوع والهزائم، المخزون والضائع، بالشك وباليقين، وذلك النقد المتزاوج مع اليومي، أي مع التاريخ، التاريخ الحقيقي، من أجل الذين يكتبون فيه أفعالهم، ومعهم. إنه الإمساك بالحي والحاد لكي يتحول سلاحاً ضد المسيطرين، أفراداً وأفكاراً. فلنحكم بأنفسنا: مروة هو عربي. ينتمي إلى أسرة معروفة بتدينها الإسلامي. لكنه قائد شيوعي. من يستطيع أن يكون أسوأ في زمن satana، vade retro الكوني؟ عندما تكفي واحدة من هذه الصفات لكي يوسم حاملها بالإرهاب، ويصبح هدفاً محدداً لمحاولة ما. صحيح انه من الأسهل أن تتفلت، في لبنان أكثر من أماكن أخرى، من القواقع التي يحاولون سجنك فيها. ومروة هو لبناني، فوق ذلك. تعرفون هذه «الدولة الطائفية»، كما عرّفها مهدي عامل، التي تتعثر في لعبة مساراتها السياسية – الإثنية، ويتعنّت جيرانها، من بعد مستعمريها، على تجزئتها، كحال بولندا أكثر من سويسرا، ويفيض سكانها أوسع من حدود مساحتها. مروة لا يفوته حتى القليل. يحتمل بهدوء ويقظة. لا يمضي في مجرى وحيد الجانب: يسبر العمق مع قليل من الأنتروبولوجيا والتحليل النفسي في تناقضات معقدة، على خلفية من الوعي الممزق. يرفض أوهام الهوية وألغازها. يكسر صورة «مهووس الدين»، «وريث حامل الخنجر بين أسنانه»، وكذلك صور العربي «المندمج»، والمسلم «المعتدل»، أو الشيوعي «النادم».

الموضوع إذاً، العالم العربي، والإسلام، والشيوعية، ولبنان، وفلسطين، وروسيا، وحتى الصين. كلها عالجها مروة بتوسع أكثر في مؤلفات سابقة لم تترجم. تجربته وفكره المتأصلان وطنياً وأممياً يجتازانها بتحفيز من محاور متطلب، هو عبدالإله بلقزيز. الصيغ الجاهزة لا مكان لها. يكشف تاريخ الحزب اللبناني، الذي ساهم مروة طويلاً في قيادته، بالتداخل مع تاريخ الحركة الشيوعية، المسار الصعب للتصلب الدوغماتيكي، والارتهان للنموذج السوفياتي في التساؤلات المريبة التي لا تضيء أي مسألة. الذين يعرفون الصعوبات التي واجهتها الماركسية في المجتمعات العربية الإسلامية، حيث اصطدمت شعارات الأممية الشيوعية ذات التوجه الكوني بمقاومات خاصة تمثلت في غياب التقاليد الكفاحية المطلبية، والتركيبة الاجتماعية الفلاحية الطابع، غالباً، ووضع المرأة، ووزن الديني، هؤلاء يقدرون جيداً قيمة الاختبار الذي لا يمالئ، وامتحان التراجعات والنقد الذاتي. فهذان يصيبان الأسس النظرية لمسيرة تصر على اعتبار نفسها ماركسية، وشروط الاحتمال الاشتراكي في ظروف لبنان، والتحالفات الطبقية، ودور الحزب، وطبيعة أو أشكال السلطة الانتقالية (ديكتاتورية البروليتاريا)، واللجوء الى العنف وأخيراً «قيمة اليوتوبيا المستعادة».

وإن لم يكن رقيقاً مع أولئك الذين يعتبرهم مرتدين نوعاً، على غرار غورباتشوف، أو الضالين الذين تراجعوا، بعودتهم إلى الإسلام، «من العلم إلى اليوتوبيا»، فإن مروة يمر بعين الناقد، من دون سجالات عبثية، على الأطروحات الكبرى والتيارات التي اعتملت وحركت مناهج الحركة الشيوعية، من لينين إلى غرامشي إلى الشيوعية الأوروبية واشتراكية السوق. يمكننا بالطبع أن نناقش، كما في كل الحالات المشابهة، موقفاً هنا أو حكماً هناك، كالشك المفرط مثلاً في قدرة النظرية على تقويم الحقبة الراهنة، من العولمة والمستوى الذي بلغته علاقات الإنتاج الرأسمالية، أو التحفظات في شأن الآفاق الثورية. لكننا لا نستطيع قطعاً أن نقلل من أهمية الدرس الكبير الذي يستخلصه كريم مروة من تقلبات مسار كان هو نفسه فاعلاً فيه وشاهداً عليه. فهو ينطلق من ضرورة، باتت حاسمة، هي تغليب المبدأ الديموقراطي في كل المجالات، أكانت تنظيمات ومنها الحزب الطبقي، أو مجتمعاً، قبل القطع السياسي وبعده. يرافع مروة، في هذا الاتجاه، دفاعاً عن بناء «كتل تاريخية» في كل بلد. لا سبيل آخر أمام البلدان، خصوصاً العربية، المدعوة إلى النضال من أجل تحرر مزدوج: من استبداد أنظمتها ومن خضوعها للرأسمالية المعولمة بقيادة الولايات المتحدة.

يقدم سمير أمين، وهو الوجه التقدمي الكبير في عصرنا، مساهمته من خلال وضع أسس لتاريخ الشيوعية المصرية مع رغبته بإلقاء أضواء كاشفة على مواقفه من تحديات الحداثة.

لا يقتصر الكتاب على هذين النصين. بل هو يقدم إلى القارئ الفرانكوفوني، والى القارئ الغربي في شكل عام، نظرة عامة ودقيقة حول تاريخ الشيوعية في العالم العربي. وهي نظرة يقدمها اثنان من بين أكثر العارفين بتاريخ هذه الحركة. وفي حين يستكمل كريم مروة مقاربته حول تجربة الحزب الشيوعي اللبناني بإلقاء الضوء على الأحزاب الشيوعية العربية في المشرق والمغرب، فإن سمير أمين يلقي، من جهته، الضوء على المغامرة المتعددة الأبعاد للحركة الشيوعية المصرية. وهكذا تنبعث في مقاربة هذين الكاتبين عقود من التداعيات التاريخية في ظروف مجهولة ومهملة ومشوّهة يعيدان إحياءها في شروطها المحلية والدولية التي، هي بالذات، مملوءة بالضجيج والغضب، ويجري غالباً العمل على طمسها. ولا يتعلق الأمر هنا مطلقاً بالدفاع أو بتجميل الأشياء. بل، على العكس من ذلك، تتم هنا أيضا فكفكة الأفكار المسبقة حول هذه الأحزاب. فيظهر عمل الشيوعيين، في واقعه الملموس، كما هو على حقيقته في مواجهة تناقضات أوضاعهم. كما تظهر نضالاتهم التي أتاحت لهم السيطرة على هذه التناقضات. إن عملاً من هذا النوع الذي قام به الشيوعيون لا يمكن، بالضرورة، إلا أن يترافق مع أوهام ونزاعات واسعة وأشكال مختلفة من سوء الفهم. لكنه عمل حاول فيه الشيوعيون في كل مرحلة أن يكون الأقرب إلى أولئك الذين يعانون الشقاء، إلى الفئات المسماة بحق جماهير الكادحين المقهورين، والتي كانت على الدوام تشكل أكثرية المجتمع. لذلك فإن هذين الكاتبين، وهما ليسا شاهدين بل فاعلين، قد حددا موقعهما في هذه النضالات التي عاشا عمرهما وشاركا في إخفاقاتها وفي إنجازاتها.

ولا بد اخيراً من أن نقدر لكريم مروة ولسمير أمين عدم خشيتهما من إغناء عملهما بإضافة عناصر من سيرتهما الذاتية أتاحت لهما إضافة مهمة في تقويم أحكامهما حول هذه التجربة داخل الحركة الشيوعية العربية. فهل سيؤدي عملهما هذا إلى دعوة القارئ إلى إعادة نظر ايجابية بفكرة الشيوعية ذاتها ليستخرج منها جواباً ملائماً على ظاهرة العولمة الإمبريالية؟

 

* فيلسوف فرنسي ماركسي، والنص ترجمة مقدمة لكتاب كريم مروة وسمير أمين «الشيوعيون في العالم العربي» الصادر بالفرنسية حديثاً عن دار «لوتان دي سوريز» في فرنسا.

عن الحياة - 06/10/06//

  line
Return to top of page