berbang.net

صدورالبيان الختامي لأعمال المؤتمر التأسيسي الأول لاتحاد الحقوقيين الكرد في سوريا  *  الافراج عن معتقلي نوروز 2006 في حلب  *  حوار مع محي الدين شيخ آلي  *  أحمد جب يعزف أمام أكثر من 10 الالآف من الحضور
 



berbang.net

جدل الإرهاب

مساهمة نظرية

د. سربست نبي

الإرهاب، جنون بشري، مرعب وقبيح، طموح دائم لخلق الذعر، رغبة كارثية جامحة لانفلات العنف من عقاله. امتداد لغرائز الموت والدمار وشيوعها، له هدف محدد هو تدمير وعي الإنسان، وتقل شعوره وإتلاف إرادته. ولسان حال الإرهابي يقول: أنا أقتل، إذا أنا موجود. بالنتيجة يدمّر الإرهاب البعض ويسحقهم، يقوّي ويمكن البعض الآخر من التسلط والطغيان.

تغذي الإرهاب شهية السيطرة والتدمير، وهو يورث الكراهية والتعصب والأحقاد والمصائب، فلا يعود الحوار ممكناً مع انتشاره واتساعه. إنه يعصف بالحوار ويجتث جذور التسامح الإنساني ويقتلهما، يقوّض التفكير العقلاني ويلغيه. فهو يضع العنف فوق العقل، والتدمير والخراب فوق البناء والعمل، ويضع الرعب على أنقاض السلام والطمأنينة، ويفرض العبثية بديلاً عن القصدية الواعية، فالإرهاب يمثل جنون الفكر، وهذا هو روحه وجوهره الحقيقي. إنه كوسيلة يبرر القسوة والخديعة والنهب والخراب والاجتياح، التي هي إبداعاته الحقيقية في الوقت نفسه.

الإرهاب عنف بالإمكان وكارثة بالفعل، وإذا ما قورن بالمقاومة، فإنه كالتدمير إذا ما قورن بالبناء، كالقوة العبثية إذا قورنت بالعمل القصدي، كالإفساد إذا ما قورنت بالإصلاح. وهذا الفارق يعكس النزاع الأبدي بين الإيتوس Ethos (دواعي الروح والمقاصد الأخلاقية)، والكراتوس Kratos (القوة والتطلع إلى السيطرة والاستبداد).

لعل السبب إلى فهم طبيعة الإرهاب لا ينتهي عند حد معرفة البادئ بالهجوم، على أنه الأظلم، فلا أهمية لذلك، وإنما يمتد إلى معرفة أسباب العنف السائد وأهدافه وأدواته، السياسية والاقتصادية المعلنة وغير المعلنة. وكذلك توضيح الظروف الاجتماعية والتاريخية التي استثارته ودور القوى الاجتماعية، التي تقبع خلف هذا العنف، وأيضاً يمتد إلى اكتشاف الجذور الثقافية العميقة له. إن كلمة الإرهاب تخلو من كل معنى من دون تحديد مقاصده وطبيعة أهدافه، ومن دون معرفة دور القوى الاجتماعية التي تنتجه وتبرره كوسيلة، وبكلمة من دون تعيّنه سياسياً وتاريخياً. الحديث يدور هنا حول الشروط الموضوعية، التي أوجدت مثل هذا المناخ الملائم لولادة العنف ـ إذ أن للإرهاب علاقة مباشرة بالوضع القاسي والعنف لولادته ـ ولا يتعلق بحسن أو بسوء نيّة هذا الطرف أو ذاك.

إن الغاية القصوى من هذه المناقشة لا تكمن في الحيلولة دوت تفاقم العنف فحسب، وإنما أيضاً في اجتثاث الجذور العميقة له، وفي استغلال الوضع الناجم عن ذلك بإيجاد دينامية للخروج من هيمنته واتساعه وتحقيق التقدم الحر والازدهار المادي والروحي. وصولاً إلى خلق وسيادة قيم إنسانية بديلة عن قيم العنف والقمع والرعب.

مالسبيل إذن إلى فهم أسباب الشيوع المفرط للعنف في حياتنا المعاصرة وطبيعته، الذي بلغ من الوضوح في فرض منطقه كأحد ثوابت الحياة السياسية العالمية الراهنة؟ ... إن توضيح طابع العنف والعنف المضاد والتمييز بينهما هو المقدمة الرئيسة لأجل تحديد الموقف الصحيح من الإرهاب، ومن الضرورة بمكان في أحوال العنف القائم بين مختلف الأطراف، التمييز كذلك بين الأشكال والدوافع المتخلفة والرجعية للعنف المضاد، وبين الأشكال والدوافع القمعية الحديثة للعنف الذي يهدف للتسلط والإكراه والهيمنة. في مثل هذه الحالة نجد أن العنف المضاد لا يتناقض في الأصل والمنشأ مع العنف السائد الذي تحتكره جهة ما، وإنما هو استمرار مباشر، طبيعي وحتمي له، فالإرهاب المضاد ليس أكثر حضوراً وعبثية من الإرهاب المهيمن والسائد ولا اقل ضرورة. وينبغي أن نكون على حذر فلا نظن أن الإرهاب المضاد يمكن أن يوجد، منطقياً وتاريخياً، من دون الإرهاب السائد. إن كليهما يعبران عن هوية تاريخية واحدة أو وضع تاريخي مشترك، يشترط واحدهما الآخر، على الرغم من التمايز القائم بينهما في القدرة والكفاءة والفارق المعلن في أدواتهما وأهدافهما. وعليه نستنتج أن العنف والعنف المضاد، الإرهاب والإرهاب المضاد هما الشيء نفسه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ندين طرف من أطراف المعادلة، دون أن ننزلق في تبرير إرهاب الحدّ الآخر ونسوّغه.

من جانب آخر ينبغي التمييز والفصل بين الشكلين السابقين للعنف وبين العنف المضاد، الذي يمثل موقف الرفض للاستلاب السياسي والاقتصادي، ويهدف إلى وضع حد لتعسف الاحتكار الشامل، والتهميش شبه المطلق، وإلى رفع الغبن الناجم عن ذلك والانعتاق. إنه شكل من أشكال المقاومة للعنف السائد وردّ على القمع وأنماط السيطرة المادية والهيمنة، التي تفرضها سلطة ما. وهذا الشكل من العنف المضاد هو الذي عدّ تاريخياً الأسلوب المشروع، القانوني والعادل، العظيم فعلاً بين مختلف أشكال العنف الذي عرفته البشرية. فالعنف يبدو حقاً وعادلاً متى ما أصبح ضرورياً للانعتاق، بسبب وجود طغيان مستديم وتفاوت يستند أساساً إلى احتكار العنف كوسيلة. هذه الضرورة تفرض نفسها على الوضع الدولة والإنساني الراهنين، بسبب وجود هذا الطغيان بالذات وحالة الاسترقاق الجديدة. فالنظام العالمي الراهن مسكون بالعنف ومتحقق به لأنه مسكون بهاجس السيطرة وبالدوافع العميقة للربح والهيمنة, ولا يمكن تجاهل ذلك في الأحوال المطلقة.

هكذا يمكن أن نقر بجدارة العنف المضاد وضرورته، الذي يستهدف إعادة التوازن والتكافؤ في العلاقات بين الجماعات المختلفة والدول والشعوب. وليس بالإمكان إنكار الحق الإيجابي لدى مختلف المجمعات الإنسانية وبخاصة المقهورة في الدفاع عن حريتها ومصالحها. وفي استخدام العنف المقاوم للعنف السائد من أجل الإطاحة به وكسر طوق الهيمنة والاستبداد، وهو نتيجة لازمة وبديهية لطبيعته التاريخية. لكن قلب الأدوار في النظام الدولي الجديد، جعل من هذا الحق "إرهاباً" وهو ببساطة التعبير الأكثر رواجاً، الذي تستخدمه دوائر الهيمنة بغرض إطلاقه على كل تحرك ينزع إلى رفض الهيمنة والخروج على سطوتها، وهو في الوقت نفسه تبريد للعنف الذي تحتكره في نفسها وإخفاء له. لقد بات كلمة "الإرهاب" إحدى رهانات الإعلام السياسي المعاصر، الذي ينتج خلال كل أشكال التضليل والتشويه بحق الحركات الرافضة للابتزاز السياسي والاجتماعي.

في عموم الأحوال فإن إزالة العنف المضاد تبدو مستحيلة. دون إلغاء سطوة احتكار القوة والعنف والثروة، دون الحدّ من التفاوت والقضاء على التوازن المفقود في العلاقات والأدوار. ونستطيع أن نتكهن بنوع من الجزم، إنه يستحيل التخلص من العنف المضاد دون القضاء على العنف السائد والمسيطر وأشكال الاستبداد السياسي والاجتماعي والتفاوت في الثروة المادية والاجتماعية والمعرفية. وبكلمة دون القضاء على الوضع الذي انبثق عنه الإرهاب والإرهاب المضاد الذي يتسم في وصف "لبول هيرست" "بمرض نقص الآمال المفرط"

إن الهيمنة العسكرية والاحتكار الاقتصادي لابدّ أن يؤديا حتماً إلى خلق عنف مضاد. من ذلك أن استغلال اقتصاديات الأمم الأخرى والاستيلاء على مواردها، نهب ثرواتها، احتكار التقنية العالية لوسائل العنف، الرقابة السياسية التي تمارسها دولة ما والضغط المماثل الذي تحتكره بغرض فرض وجهة نظرها على العالم، الخراب المادي والروحي الناجمين عن ذلك، تبديد الاستقلال السياسي لشعوب بكاملها وإتلاف إرادتها الحرة، تشويه استاتيكا مجتمعاتها المحلية وثقافتها, وتحويل كل ما هو روحي، جمالي وأخلاقي لديها إلى ما هو مادي وشيئي، بحيث تغدو السلعة هي الهوية الوحيدة لمجموعات بشرية بكاملها. والقضاء على تطلعاتها الإنسانية النبيلة والتحكم بمصائرها، كل ذلك وما يترتب عليه من آفاق مسدودة أمامها لابدّ من أن يولّد عنفاً ورفضاً قوياً مضاداً، فالحروب وأشكال العنف المتنوعة نتبدو حتمية مادام النظام الدولي الراهن ينطوي على أدوار غير متكافئة بين الدول والشعوب والكتل البشرية.

عندما نتحدث عن الإرهاب عموماً، بأنه وحدة الإرهاب المهيمن والإرهاب المضاد، فيجب أن ننتبه إلى أننا بصدد بنية سياسية تاريخية واحدة وحدة عينية. وطبقاً للحالة الأولى، فإنهما يتحدّان معاً في الآن مع احتفاظهما بتصارعهما وتنازعهما كأمر جوهري لوجود الطرفين سواء بسواء، في سياق وضع دول يتسم بالاختلال في موازين القوى. وفي الأدوار والمصالح، وهبوط المساهمة السياسية والاقتصادية والثقافية لمجموعات بشرية وكتل باتت مهمشة إلى حد كبير, وبالمقابل استبداد القطب الواحد وطغيانه السياسي واستئثاره. وفيما كان العنف والعنف المضاد يبدوان منقسمين بوضوح ومنفصلين في حقبة الحرب الباردة وتعدد الأقطاب، حيث كان كل طرف يسبغ على حروبه المعلنة وغير المعلنة صفتي العدالة والشرعية ويسلبها عن الآخر، بات القطب الواحد الآن يحتكر الشرعية في سياساته وحروبه بحيث يسهل عليه أن يوصم بكل صلف أيّ موقف صادر عن طرف ما بـ "بالإرهاب" والخروج على الشرعية الدولية والعدالة. وراح يمنح نفسه حق إدارة العالم ـ كيفما شاء ـ ليس سياسياً واقتصادياً فحسب وإنما حتى أخلاقياً.

لقد كان من نتائج غياب ثنائية مراكز القوى وتعدديتها، أن حوّل مفاهيم الأمن والسلم، التحرر، الحق، الديمقراطية، الشريعة، إلى مجرد أوهام في ظل النظام العالمي، النمطي الاتجاه، يطرحها أنّا شاء وكيفما شاء. وفي أحسن الأحوال لم تعدّ الديمقراطية ومطالب حقوق الإنسان والسلم سوى نفاق إعلامي مجرد لتغطية مآرب سياسية واقتصادية، ولإخفاء طابع الأخيرة المضاد للديمقراطية والسلم.

لقد استحالت إلى مفاهيم وهمية، بل قل إنها أمست خرافة أسيرة لسلطة القوة والتقنية وخاضعة إلى حدّ كبير لتوجهات الأجهزة السياسية والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية لنظام عالمي يرزح تحت عبء مصالح الرأسمال المعولم الذي يؤلف جوهره الحقيقي. إن قيم الربح هي التي تلهم هذا الخطاب السياسي المعلن وهو يكفّ عن كونه خطاباً ديمقراطياً حينما تبدو مصالح رأس المال الفعلية مهددة فتتحول عندئذ مطالب محقوق الإنسان والديمقراطية لديه إلى مصادرة دوغمائية وسياسية، يفرغها من مضمونها الحقيقي على صعيد الممارسة، وتصبح مجرد وسيلة للتلاعب السياسي.

الديمقراطية والحقوق الإنسانية لا تمنح وهي كذلك لا تفرض, على الرغم من بعدها الكوني, وليست مقصورة البتة على هذه الجهة أو تلك. فإذا كان لطرف وحيد الحرية في اتخاذ القرارات السياسية بهذا الشأن على الصعيد الدولي، والحق في فرض سطوته بالقوة والتدخل، أيّاً كانت نتائج ذلك على النفع البشري العام، فإن مثل هذا التنظيم للوضع البشري، لابدّ أن يؤدي إلى خلق عنف مضاد وفوضى شاملين، وإلى مزيد من التدهور، وفي ظل الشروط الاقتصادية والعسكرية، التي تضمن بقاءه قوة وحيدة سائدة، وتكرس من تفوقه وطغيانه، ويحكم على الآخرين بالعجز والهمود والتخلف والعزل، في ظل مثل هذا التوازن الهزيل القائم على العنف يبقى التهديد قائماً وإن كان ممكناً أن يتخذ هذا الإرهاب المضاد أشكالاً أخرى متنوعة.

الثقافة، التي أفرزها الرأسمال المعولم، تتجه الآن إلى الوحدة والتنميط والتسليع، تلغي التنوع وتمحوه، بأن تجري تطابقاً بين مفاهيم العدل، الشرعية والديمقراطية وبين مصالحها الخاصة، التي هي مصالح السوق، وبالمقابل تقيم تعارضاً بين مصالح الأغلبية من جهة ومصالح الأقلية وتعمقه، فالرأسمالية بالغة المهارة في تقديم مصالحها الخاصة مبلغاً جعلها تطغى على أشدّ القيم البشرية عدالة وسمواً.

والحق أنه ليس للديمقراطية والسلم الاجتماعي والحقوق الإنسانية من وجود خارج هذا الإقرار بتعدد المصالح والمعتقدات والآراء والتطلعات والخيارات المتنوعة وشرعيتها، وضمان كل ذلك على أنه جزء لا يتجزأ من طبيعة النظام العالمي الجديد، لا على أنه جزء ملحق بالصفقات السياسية التي تتم عادة وراء الكواليس وتخضع في الغالب لرغبات القوى المهيمنة.

إن احتكار العنف والثروة والثقافة، كل ذلك يدمر الثقافة، ولا ينجم عنه إلا التعسف بحقوق الآخرين. فكلما احتكرت جهة ما سلطة العنف باسم ثقافة بعينها ووفق مصالح محددة فرضت علاقة مباشرة بين قيم الثقافة وتلك المصالح الذاتية وكرستها بشريعة، لا يبدو من خيار لها إلا القوة والعنف، فعندما يتماهى العنف مع الرغبة في الطغيان وفي استمرار الهيمنة يغدو غاية في ذاته وهذا هو الإرهاب بعينه، في حين أن هذا العنف لا يعدو كونه وسيلة في حالة العنف المضاد لأنه يستهدف العدل ورفع الغبن والطغيان والحدّ منهما وليس له من غاية أخرى غير ذلك. هكذا تبدو الديمقراطية مستحيلة في ظل تنظيم العالم وفق منطق احتكار القوة أو الثروة أو الثقافة وسلب كل ذلك عن الآخرين.

إن إعلان الحرب وممارسة العنف بزعم الدفاع عن السلم العالمي والديمقراطية في ظل هيمنة القطب الواحد، في قول آخر؛ إن تشكيل سلام النظام الدولي الجديد على قاعدة مكافحة الإرهاب. هو خرافة تتناسب وعالماً يحتشد بالأوهام الزائفة، بل قل: هو الكذبة الرئيسة للنظام الرأسمالي المعولم. لكنه ليس كذباً مماثلاً في مطلق الأحوال، عندما يكون العنف وسيلة لا غاية تتماهى مع المصالح الذاتية في الهيمنة، كذلك الأمر مع الكفاح المضاد الذي تعلنه الجماعات المسحوقة والشعوب المضطهدة، التي تتطلع إلى الانعتاق والمساواة. في الحالة الأولى يعني ضمان الهيمنة وخلق المناخ الملائم للابتزاز المادي والمعنوي، واستمرار التفاوت على المستوى الدولية وتأبيدهما.

في الحالة الأخيرة يمثل العنف المضاد موقف الرفض للوضع القائم، الذي يؤبّد القهر والاستغلال. على هذا النحو تجعل الرأسمالية المعولمة من الديمقراطية والسلام وهماً من الأوهام الكثيرة التي راجت، إنها تهدف إلى التغطية على الأزمات الاجتماعية والسياسية والتناقضات الجديدة، ودفعها إلى الوراء وإخفاء أشكال الاستغلال وأنماط الهيمنة وتلطيفها.

الرأسمالية المعولمة تحلّ العنف ومنطق القوّة محل قوة منطق الحق، وتجعل من استخدام العنف الوسيلة الرئيسة لفرض مصالحها وحقاً خاصاً ومقدساً بالنسبة لها، وتجعل منه غاية لأنها تماهي بين استمرار هيمنتها وديمومة هذا العنف، وهي تستحضر الآن من باطن التاريخ وأعماقه كل العنف الممكن، الذي يستحيل إلى تدمر شامل وهذا ميزته، أنه يفوق بما لا يقاس أي عنف جزئي تاريخي سابق، علاوة على أن العنف الجديد المعاصر يضيف إلى القدرة على الظلم والطغيان، النزعة إلى الإذلال، وثمة طابع آخر يتسم به هذا العنف ناشئ عن التناقض بين القدرة التدميرية الهائلة لتصدير العنف الذي تحتكره دولة ما والطابع اللاعقلاني والدموي للرفض الذي تبديه بعض الجماعات المتطرفة، فكلما سعت تلك الدولة إلى الهيمنة وممارسة الرقابة الشاملة والوصاية السياسية على المصائر البشرية، تنوع الرفض وازدادت الفوضى.

إن ما يسمى بـ "الإرهاب" ضد الولايات المتحدة غيرها. وإن يكن يمثل رفضاً محبطاً، شاذاً ومتطرفاً، فإنه يعدّ حرباً انتقامية تخاض بصورة مدمرة ضد الاستقرار السياسي والاقتصادي لنظام القطب الواحد، بيد أنه ردة فعل ليست متكافئة في مواجهة احتكار العنف والقوة من جانب القطب الواحد، ونزعته إلى التسلط والهيمنة. فهذا العنف وإن يكن متطرفاً ومشوّهاً ودموياً إلى حدّ كبير، مثلما كان الحال في أحداث أيلول، إلا أنه في جانب كبير منه يعرب عن رفض عبثي من نوع ما للتبعية المفروضة والقهر وعدم التوازن والتكافؤ في العلاقات والأدوار. وعلى هذا ليس ثمة جدوى كبيرة من الأحاديث عن الديمقراطية والسلام وحقوق الإنسان فهذه لا تعدو عن كونها خرافة في ظل شروط التفاوت الهائل في الثروات والأدوار وبخاصة في امتلاك وسائل القوة والعنف واحتكارهما.

هكذا فإن الدعوى إلى المساواة والتوازن بين الأمم والجماعات في الحقوق والأدوار على النطاق الدولي تبدو ملحة أكثر من ذي قبل. إن إعادة تنظيم الحياة السياسية على هذا المستوى، على نحو يقود إلى أنسنة العلاقات الدولية، عبر منح الفرص المتكافئة في الأدوار لمختلف الشعوب، والاشتراك العادل في الثروات المادية والمعنوية، من غير أن تقوم دولة قوية بعينها، مستبدة بإرغام الآخرين على النظر إلى مصالحها الخاصة على أنها مصلحة الكل الوحيدة ومبدأ الخير والسلم العالميين، هو ما يجعل الفقر والتبعية والتسول والتخلف والصراعات مستحيلة على الصعيد العالمي، والازدهار والحريات والتقدم ممكنة. فبدون تنظيم العلاقات والعمل والأدوار بين الأمم والدول تنظيماً متكافئاً وديمقراطياً فعلاً، يستحيل القضاء على الجذور العميقة للإرهاب والعنف وانتفائها.

إن الديمقراطية على الصعيد العالمي، وأنسنة العلاقات الدولية ترتكزان على الاعتراف بالإرادات الحرة والخيارات المستقلة للشعوب، عبر الإسهام العادل لها والاشتراك المتوازن في الثروات المادية والروحية للبشرية، من غير تعسف للدولة الأقوى، إذ ينبغي أن تتمتع كل الجماعات والأطراف بالحرية ذاتها في تقرير مصائرها السياسية والاجتماعية. وأخيراً, فإن التحولات السياسية والاجتماعية على الصعيد الدولي باتجاه ديمقراطي وإنساني حقاً، لا يمكنها بأية حال من الأحوال، وأيّاً تكن الظروف العالمية، أن تطغى على مطلب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات والمساواة في الحقوق بين الأفراد على المستوى القومي، التي تبدو ضرورتها الآن أكثر قوة من ذي قبل.

 

 



Ev nivîs 51 caran hat xwendin.