|
سليم بركات
Skärholmen

"ألم تجد فتاةً أخرى، ياابن القحبة، غير ابنة
خالتي؟"، ذلك مادوَّنته المرأة القصيرةُ الشعر،
كسطر أول، في دفترها الأسود. تطلعت يمنةً ويُسرةً
إلى الواقفيْن في نفق شَارْهُوْلْمِنْ بانتظار
دويبةِ الحَريْشِ الآليةِ ـ قطارِ المعَاقِِل
الناجية. جلس شابٌ إلى جوارها. نظر إليها
جانبيَّاً. انحدر بعينيه إلى دفترها.
"أكتبُ إلى زوجي، الذي اتَّخذ ابنةَ خالتي
عشيقةً"، قالت المرأةُ الشاحبةُ البياض. بوغِتَ
الشابُّ بإرسالها الكلامَ إليه صريحاً. جاراها
فجاملها:
ـ
أمرٌ مؤسف.
"لماذا هو أمرٌ مؤسف؟"،ساءلتْه المرأةُ ذات
العينين الساخرتين من إقامةِ الألم فيهما.
ارتبك الشاب؟ "ظنتْتُه أمراً مؤسِفاً. أليس
مؤسِفاً؟"، قال.
"سأعرف حين أنتهي من كتابة رسالتي إليه"، ردت
المرأةُ، التي وضعت إلى جوارها قفصاً مستطيلاً فيه
هِرَّتان رماديتان. لم يتكلم الشاب. نظر إلى
ساعته. دارتِ المرأةُ بوجهها إليه تستدرجه إلى
ردٍّ. حوصِرَ الشاب: "لاأستطيع إلاَّ أن أتخيَّله
أمراً مؤسِفاً"، قال. فهزت رأسها نفياً:
ـ
أنا لاأتخيَّل.
بدا ردُّها ملتبساً عليه. قلَّب بديهتَه نَبْشَاً:
ـ
أليستْ لكِ أحلامُ يقظة؟.
"لاأحلامَ
يقظة. لاأحلامَ منام. لاأحلمُ. لاأتخيَّل"، قالت.
وضعتِ القلمَ الرصاصَ على الورقة. جرحتِ البياضَ:
"ليس لعُرْيها، بين يديْ رعشَتك، عِقْدٌ أشملُ
ببنوده ممَّا كان لعُرييَ، ياابن القحبة". توقفت
عن الكتابة. نظرتْ إلى جارها على المقعد في النفق:
"الأمر بسيط".
كان ثقيلاً تحديقُها إليه من تلك العينين
الملبَّدتين بإقامة الألم فيهما. اجتهد في استدراج
الكلمات المُحْتَبِسة بين سطور خياله: "انظري إلى
قفص الهرَّتين ذاك. أغمضي عينيك. استعيدي صورتَها
على لوح عقلك الداخلي. افعليْ تكوني تتخيَّلين"،
قال.
"إذا أغمضتُ عينيَّ لم أتعرَّفْ إلى شيء. إن
أغمضتُهما امَّحى كلُّ ماأعرف"، ردَّت.
"كيف تعرفين القطارَ أنه قطار. قبل مثوله أمام
عينيكِ؟"، ساءلها ممازحاً، فردتْ:
ـ
أعرفه حين أراه.
"تمزحين؟"، ساءلها مبتسماً.
"لاأمزح"،
قالت.
"أتحاولين القول إنك ـ مثلاً ـ لاتستطيعين تخيُّل
صورةِ أبيك، في هذه اللحظة؟"، ساءلها الشاب
مرتاباً في كلامها، أَجِدٌّ هو أم مزاح؟، فأبدت
المرأةُ استغراباً: "أنتَ تعني أبي يالُوهْ. أنا
لِيْدَالْيَا، بنت أمي مِيريْما، وأبي يالُوه.
عمري إحدى وثلاثون سنة. لماذا تحدِّثني عن أبي؟"،
قالت. فنهض الشاب مرتبكاً: "لاأعرف أين يمضي بنا
هذا التحادثُ، أيتها السيدة. أعتذرُ.. ربما.."،
قاطعتْه ليداليا: "سيجيءُ نبيٌّ إلى عشاء أبي
يالوه، الليلةَ".
نهيقٌ خافتٌ سبقَ القطارَ العجوز في دخوله نفقَ
شَارْهُوْلْمِنْ. تمتم الشاب "لقد وصل.."، بصوتٍ
لم يظنُّ أن نَفَسَ السخريةِ الخفيفةِ فيه سيلمَس
أذنَ المرأة ذات الشعر القصير جداً، فرفعت وجهها
عن دفترها إليه:
ـ
هذا هو القطار، إذاً!!.
لم تنهض. واكبتِ الشابَّ بعينيها صاعداً إلى إحدى
المقطورات. جلس الشابُّ لصق نافذة. فتح قفصَ فضوله
ملقياً بكلِّ مافيه صوبَ المرأة النحيفة، الناعمة
في شحوبها. غمزتْه ليداليا. ابتسمتْ: "تخيَّل أنني
أتحيَّلكَ"، قالت. تقشَّرتِ الحروفُ في الزئير
المُعَذَّب للقطار المُعَذَّب إذْ تحرَّك.
"ماذا؟"، قال الشاب بعد فوات الأوان.
خلا النفقُ. قرَّبتْ ليداليا رأسَ قلمها الرصاص من
حافة الهاوية في البياض. أنَّتِ الورقةُ: "عظامُكَ
معتوهة إنْ قورِنَت بالعظام. جِلدُكَ غمامُ
السَّبخات في الأغوار المهجورة. جلدُكَ جلدُ
البزَّاق. نظراتُك لزجة. جلدُكَ لزجٌ. نظركَ طعمٌ
رطبٌ تحت لسان العُقعق. شَعركَ قَيْعُ خنزير يغوص،
رويداً رويداً، في وحل. شَعرُك شتائم اليائسين.
أنفكَ بَرَصٌ؛ جدريٌّ؛ حَصْبَة؛ بَهَقٌ. فمك زبلٌ
في حقل بلابذور، ولسانُك شتاء طويل. لسانك كَمَخةٌ
تفور من وعاءٍ يُسلقُ فيه رأسُ حمار. رقبتكَ
مأزقٌ. كتفاك حمَّى جريحٍ هاربٍ. صدرك وباءٌ.
ذراعاك قناتان مسدودتان. بطنك صدأٌ. كبدك حفرةٌ
يُرمى فيها الأثاثُ البالي. كليتاك كمَّاشَتانِ من
طين. ردفاك جُذام. فخذاك حليبٌ مسموم. ساقاك
مقبرتان. قدماك سُعال. قلبك.. آهٍ، قلبك، ياابن
دلفين الرماد، جولةُ لصٍّ في تسع ليالٍ متتالية
على حظائر البقر. قلبك أزرارٌ في معطف مهترىء.
قلبك أجْرٌ متأخِّرٌ؛ قطارٌ متأخر؛ موعد متأخر؛
وجود متأخر؛ حكمة متأخرة؛ حصاد متأخر. قلبكَ قلبٌ
متأخرٌ؛ حياةٌ متأخرة؛ إهانةٌ لاردَّ عليها إلاَّ
بعد فوات الأوان، ياابن سماءٍ منتفخة بالبول
كمثانة"، كتبتْ ليداليا. رفعت رأسها عن دفترها
المتمددِ مُطيعاً فوق فخذها اليسرى. تحسَّسَتِ
الرسمَ الجداريَّ الصاخبَ بدببة زرقاء، تطير من
فوقها أسرابٌ من السلمون بلونٍ ناريٍّ. طأطأت
رأسَها، من جديد، محدِّقةً إلى البياض الفَحْل.
لمستِ الغشاءَ السِّريَّ برأس قلمها الرصاص:
"خصيتاك بوَّابتان محترقتان. مَنيُّكَ ـ تفو ـ
آخرُ ماسالَ من خيالك كذكرٍ. منيُّكَ حانوتُ
أكفانٍ؛ تبغُ لِفافةٍ رطبةٍ احترقتْ ثلاثةُ
أرباعها. منيُّك نفقٌ تعبره بائعةُ علفٍ في مُدن
لاتشتري عَلَفاً. منيُّك قصدير محترقٌ، ياابن
صَحْنٍ متَّسخ لن يغسله أحد". ابتسمت لنفْسها.
وضعت يدها على القفص، حيث الهرَّتان الصغيرتان
مسترخيتان في كسَلٍ وديعٍ. "ياابنتيَّ"، تمتمتْ
بلسانٍ عليه بَلَلُ اللوعة.
احتشد القادمون إلى النفق على رصيفه. حضَر
القِطارُ هادِراً يَغْلي ولاؤه في قِدْر المواعيد.
نزلَ المغادرون. صعد الورثَةُ الجددُ لكنوز الرحلة
المنهوبة. لم تنهض لِيداليا عن مقعدها. أعادتْ
قلمَها الرصاصَ إلى امتحانه بفِقْهِ البياض:
"أنجزتُ ماكان ينبغي لأحدٍ آخرَ أن ينجزه.
لامتَّسَع، بَعْدُ، إلاَّ لتاريخ الوسائد.
والبقيةُ هو ماتستطيعُ ـ أيها المتلصِّصُ عليَّ ـ
أن تأخذه من الحياة بشفقتها عليكَ، وماتستطيع أن
تأخذه من الموت بشفقتِك عليه. غير أنَّ مالايؤخذ،
قطُّ، من الإنسان، هو بقاؤه ذاهلاً". توقفت
ليداليا عن التدوين. تمتمت "مَنْ أُخاطب بهذا؟".
نظرت إلى قفص الهرَّتين: "سأترككما، ياابنتيَّ،
قرب الأدراج. ربما يأخذكما مَنْ يعرف النَّدمَ
أكثر منِّي". بُرادةٌ من الألم تساقطتْ على رئتيها
فسعلتْ. رفعت وجهها إلى الرسم الجداريِّ قِبالها:
"لماذا كل هذه الدببة الزرقاء؟ دبٌّ أزرق، واحد،
يكفي لترميم اللون المُغْتَصَب في فكرته الزرقاء.
سمكة سلمون ناريةُ، واحدة، تكفي لترميم النَّارِ
الذائبةِ النقوش من شِدِّة فكرتها. نارٌ لها
زعانفُ سلمون، وزرقةٌ مُمَزَّقةٌ كاليقظة بمخالب
دِببةٍ خرجت من كهوف نومها إلى نفق
شَارْهُوْلْمِنْ ـ نفق المتوازيات المطحونة".
وضعت ليداليا دفترها على المقعد قربها. فتحت
حقيبتَها المعلَّقة إلى كتفها. أخرجت مرآة مربعة
صغيرة، بأضلاع لاتزيد عن ثلاثة سنتيمترات. نظرت
إلى ساعة يدها: "حان وقتُ الرؤيا". أخرجت أنبوبَ
صمغٍ قويٍّ. فكَّتْ غطاءَه القُمْعَ بأسنانها.
طلتْ بالصمغ ظهرَ المرآة. استدارت على مقعدها،
وألصقت المرآةَ بالحائط. أغلقت أنبوب الصمغ. عادتْ
إلى دفترها وقلمها الرصاص. "الغضبُ كسِيرةٍ لكلِّ
شيء. الغضبُ كامتلاكٍ لكلِّ سِيرةٍ. العلومُ
المُمَاحكاتُ بين الطبيعة وعبثها. الإيمانُ
كهدنةٍ. الإيمانُ كفديةٍ، حين تُؤخذُ الأبديةُ
رهينةً بيديِّ ذُعْرها من اللانهاية. الإيمانُ
كانحدارٍ على كثيب الرمل. الإيمانُ الطلقةُ، التي
لاتُخطىءُ قط، إذْ تُطلقيْنَها من بندقية داخلَ
فمك، ياأمي ميريما". ارتجفتْ يدُها قليلاً: "لماذا
أمي ميريما؟". استجمعتْ نزوةَ اللاتعيين في
المخاطَبات: "الطريقُ المُخْلِصُ للمارَّةِ طريقٌ
مذعور. أنفاقٌ ـ هِباتٌ سخيَّة من المجهول على
إخوته المترهِّليْن. أعطني، يانفق شَارْهُوْلْمِنْ،
قليلاً من الرمل الموتَمنِ على أعماقك أُعِدْهُ
إليك سلالم بلانهاياتٍ".
أطبقت ليداليا الدفترَ على القلم الرصاص. وضعته
على المقعد. نهضتْ. صحَّحتْ وضْعَ حقيبتها على
كتفها. حملت قفص الهرتين. أسرعت في مشيها صوب
الأدراج الآلية الصاعدة الهابطة شمالَ النفق.
وضعتِ القفصَ على الأرض، تحت مُلْصَقٍ لملابس أنثى
داخلية، أُعْطيَتْ سُلطةَ أن تتولى نقلَ المحظور
المُدنَّس، مقيَّداً، إلى قضاء الإباحة الطاهرة:
ملابسُ داخليةٌ هي حُكْمُ العفو عن كلِّ إثم.
ابتعدت ليداليا عن القفص خطواتٍ. استدارتْ إليه
بعينين معتذرتين: "قبل ثلاثة أيام جاء بكما زوجي
إلى بيتنا، ياابنتيَّ. هَجَرني وهجركما إلى ابنة
خالتي. ليس عليَّ أن أمرِّغكما في جرحي ـ جرحِ
أمٍّ توزِّع أبناءَها على الهاربين"، قالت في صمت.
استدرَكَتْ: "ربما يتوجَّب أن أترك القفصَ قربَ
الأدراج جنوباً". عادتْ فحملتِ القفَص إلى جنوب
النفق. تركتْه هناك، ملقيةً نظرةً، من بعد، إلى
المقعد، الذي كانت تجلس عليه. لم تَرَ دفترَها.
ابتسمتْ. فتحت حقيبتَها وواجهتِ الجدارَ. ألصقتْ
عليه، في كل خطوةٍ، مرآةً بقُدْرةِ الصمغ القويِّ،
حتى نهايته، غير آبهةٍ بالقادمين إلى النفق
والخارجين منه: "سيرى النبيُّ القادمُ إلى عَشاءِ
أبي يالُوه نَفسَه، كما ينبغي لنبيٍّ أنْ يراها.
إنْ مرَّ من هنا".
تسعون درجةً تحت النعناع، وثلاثون فوق
القَرَنْفُلِ
عن دار حجلنامه،
لنشر الثقافة الكردية، في السويد، صدر العدد
المزدوج من مجلة حجلنامه: 10 ـ 11، الخاص بسليم
بركات. ساهم في العدد، نخبة من الكتاب الكرد
والعرب والمستشرقين:
الافتتاحية
محمد عفيف
الحسيني:
تسعون درجةً تحت النعناع، وثلاثون فوق
القَرَنْفُلِ.
ببيوغرافيا.
أعمال سليم
بركات المطبوعة.
الحوار
(منتخبات):
أستطيعُ
الكتابةَ عن روحي بألفِ لغةٍ.
سليم بركات:
يوم في حياة سليم بركات.
الديوان
(منتخبات)
صمتُكَ نقيٌّ،
لكنَّكَ شريكٌ ثرثارٌ أيها الموتُ.
السيرتان
(منتخبات)
لستُ أغويكم.
المكانُ يُغوي.
النثر (منتخبات)
تشريد المكان
عن أسمائه.
إلى من يهمه
الأمر، ومن لايهمه.
قامشلوكي.
رسوم جريحة،
كلها (ست عشرة رسمة، مع نصوص شعرية، بقلم سليم
بركات)
محمود
درويش: ليس للكردي إلاّ
الريح.
الترجمات
الطاهر بن
جلون: أغنية الأطفال الغاضبين.
شتيفان فايدنر:
نموذج طفولة كرديّة.
إيفا ماخوت ـ
مندَتسْكا: الحبكة الكردية، في كتابات سليم بركات.
تيتس رووكي:
أرياش من السماء: أو الذي قالته شجيرة الفلفل
للبطل.
كاظم جهاد
حسن: مقدمة عن الفصل المتضمن عرضاً لبعض أعمال
سليم بركات.
ييني توندال:
كائنات السنتور: تعشق وتعاني، في عالم
آخر.
الدراسات
سامي داوود: ألفة
الشبه ـ الحيوان، في أرواح هندسية
هندرين: سليم
بركات في أولمبياد اللغة.
بيان سلمان:
سؤال اللغتين.
عماد فؤاد: سليم
بركات.. الكردي الذي كشف عن سحر جديد في لغة العرب.
طه خليل: لو
قُدِّر لي أن أعودَ ذات يومٍ إلى القامشلي.
منى كريم: سليم
بركات.. أبانا الكوردي.
د. محمد بوعزة:
دينامية المحكي في روايات سليم بركات.
جوان فرسو:
البرونز في رواية "ثادريميس" لسليم بركات.
صباح زوين:
المجابهات المواثيق الأجران التصاريف وغيرها.
عبد الوهاب أبو
زيد: "كهوف هايدراهوداهوس".
محمد علي محمد:
أنقاض الأزل الثاني.
شهادات
شيركو بيكه س:
سليم لايشبه إلا سليماً.
قاسم حداد:
سليم بركات، أجنحته الكثيرة تجعله سرباً وحده.
سعدي يوسف:
الجندبُ الحديديُّ.
جليل حيدر:
حيويةُ غير المستأنس.
عباس بيضون:
شيء عن سليم بركات.
تيتس رووكي:
فهم مشهد الطبيعة.
كولالة نوري:
عليكَ بالصلوات... حين تدخل إليه!.
لقمان ديركي:
تعالَ إليَّ، ياسليم بركات.
أمين صالح: عن
سليم بركات أحكي.
إبراهيم
اليوسف: حامل جذوة الشّعر، وشاغل الشعراء.
بشير البكر:
فرادة سليم بركات.
إبراهيم عبد
المجيد: الفتنة بين الشعر والسرد.
عقل العويط:
عملة صعبة، هي تجربته.
فواز قادري:
فخاخ سليم بركات.
عارف حمزة:
الكتابة عن سليم بركات.
رؤوف مسعد:
كيف لاتكتب نصاً رديئاً؟.
ياسين حسين:
تحت "أنقاض الازل الثاني".
فتح الله
حسيني: وكردستان أيضاً تحتفي بروادها.
أمجد ناصر:
يوتوبيا سليم بركات الضالة.
كاميران حرسان:
الريشة الهندسية.
آخين ولات:
نوش بطعم البرتقال.
محمد عفيف
الحسيني: شرفخان بدليسي.
مقاربات شعرية
مها بكر: ديرام...
ديلانا.
وليد هرمز:
إبن الكراكي.
آسيا خليل:
سليم بركات، اغزل ما شئتَ من الحنين.
متابعة حجلنامه
إبراهيم
اليوسف: الدراسة الأكاديميّة الأولى التي تناولتْ
شعر سليم بركات .
الملونون
الملونون،
النقاشون، الرسامون، والخطاطون
تحية إلى سليم
بركات
آلاء بركات
منير شيخي
خليل عبد القادر
شاهين برزنجي
ساكار سليمان
عبدالكريم مجدل
بيك
حَسْكو حسكو
سليم بركات
تتبعتُ الأصولَ
في المعاركِ الخاسرةِ: أين تستلقي بعد فناءِ
الجيشِ؟.

كاميران حرسان
سيرة
خرجتُ من ضلالة النور، إلى الدجى
لامعاً
أنعُمُ بظلالٍ لم أرها.
خرجتُ من حلمي الأعشى,
مكبلاً بنبال العيون,
مسكوناً بالضوء أسطعُ
كنجم, خلفه المساء وحيداً
خرجتُ
من عتمة النور إلى الحياة,
من مثلتٍ دوائرَ ومربعات
بقلبي أتحسس
ضفاف جملٍ طويلةٍ,
غادةً من كلماتٍ وحروفَ جرٍّ.
أراها خلف الأشكال الصامتة
هندسةً لرحيق الفحوى.
نعيباً على أسلاك الأفق الشائكة
سطوراً من الغربان.
خرجتُ من نقوشها، يسبقني النشيج.
أوبسالا، 2007

عبدالله بشيو.. شاعر الحلم الکوردستاني
نزار جاف
يکاد
يکون الشاعر الکوردي المعروف "عبدالله بشيو" من
الاصوات الشعرية القليلة التي کان و لايزال له
حضور قوي في الواقع الثقافي الکوردي. وعلى الرغم
من إبتعاده الغريب عن الاضواء، بحيث يکاد يکون
نوعا من الانطواء على النفس، إلا أن عشاق شعره و
مريديه يرونه راهبا قد جعل صومعة الشعر رکنه الآمن
في خضم صخب الحياة. لکنه مع ذلک يکاد يکون أشهر
إسم شعري في الساحة على وجه الاطلاق. وتأتي قوة
الحضور الشعري لهذا الشاعر، من خلال نتاجه المملوء
أصالة و صدقا و تعکس في إنسابيتها المشرئبة
بموسيقى باطنية تتداخل وقع و صدى أنغامها مع وقع و
صدى مفردات الهم اليومية للإنسان الکوردي، قصة
معاناة شعب و قضيته المحاصرة بالزوايا الحادة
للجغرافيا السياسية. هذا الشاعر الذي لم يلهث خلف
هذه الجهة أو تلک، و لم يصفق لتيار دون آخر، ولم
يتعاطى شعر الدکاکين و الکانتونات السياسية، بل کان
على الدوام طودا شامخا يترفع عن هکذا مربعات ضيقة
تلجم سمو و عظمة المحتوى الانساني لرسالة الشاعر.
بشيو، الشاعر الذي حرص أشد الحرص على أن يکون
إنتماءه و إرتباطه الحقيقي و الدائمي بشعب و أرض کوردستان،
قد جسد في قصائده لوحات إنسانية ترفل بمعان
متداخلة مع بعضها کألوان الطيف الشمسي. هو الشاعر
المسافر أبدا بجواد الشعر وزاده الحلم، حلم بدأ
کبرعم ورد و إستمر واسعا ليلف في فضائاته الرحبة
کل الافاق. بشيو الذي يتميز شعره بسلاسة خاصة
تکسبها عمق أصالتها و تجذرها الکوردستاني، طعما و
نکهة فريدة من نوعها. هذا الشاعر المسافر على قلل
الجبال و عرائش السهول و دماء الشهداء و إرهاصات
الوجد، يسعى لإکتشاف عالم خاص يکون آجمه حافلا
بتضاريس وجدانية تتداخل فيها الابعاد کي تمنحها
شکلا و جوهرا مختلفا عن واقعه المر الذي طالما
دفعه للشعور بالاحباط و الغثيان. عبدالله بشيو،
الصوت الذي هز وجد و ضمير کل کوردي قرأ قصيدته
المشهورة "الاطفال" والتي يقول في مقطع منها:
"أيها الاطفال.. أيها
الاطفال
أيها الجوعى و ذوي الحياة
المريرة
على الصدر النفطي لبابا
کرکر
قرب الشلال المعاکس للهب
الذهبي
أبصرت لائحة صغيرة کتب
عليها
هاهنا مات جوعا طفل کوردي
نضر العيون"
في هذا المقطع من هذه
القصيدة المشهورة جدا للشاعر عبدالله بشيو والتي
باتت"بعد قصيدة دلدار الخالدة" بمثابة"مارسيلياز"کوردية
رددتها ولازالت ترددها أجيال متباينة، يربط بين
عالمين متناقضين هما الثروة"من خلال النفط المتدفق
من حقل بابا کرکر"، والحرمان المتجسد في الطفل الکوردي
البائس الذي مات جوعا على صدر هذا الحقل النفطي،
وهو يرمز بذلک الى الشعب الکوردي الذي يزخر أرضه
بالثروات و الخيرات المتنوعة لکنه محروم منها
تماما. ولعل بشيو في قصيدته هذه التي کتبها في
مطلع السبعينات من الالفية السابقة، قد نال قسطا
وافرا من الموفقية في إختيار الرمز و الدلالة
الشعرية و يؤکد أيضا على عمق العلاقة الکوردية
بکرکوک التي حاولت الحکومات العراقية السابقة
"ولحد الان" فصلها و سلخها عن الوطن الکوردي. بشيو
الذي عاش و يعيش في خضم المعاناة الکوردية يستمر
في قصيدته الآنفة فيتطرق الى موطن الجرح حين يروي
في السياق ذهابه الى الامم المتحدة"في عصر الامين
العام الاسبق يوثانت" فيقول:
"إيها الاطفال
ليلا في الحلم کنت عابر
سبيل الى مقر "يوثانت"
حين بلعتني البوابة
رأيت الاسود کانت له راية
رأيت الاخضر کانت له راية
رأيت الاحمر کانت له راية
کل من رأيت کانت له راية
وفجأة صرخوا بوجهي
الى الخارج يامن لاتملک
راية
قلت لا تصرخوا حين أعود
سوف أروي هذا الدرس
للأطفال"
الحلم الکوردي بالدولة
المستقلة و الذي يرعب کل دول المنطقة و يجعل کل
واحدة منها تتحدث عن مخاطر هذه الدولة، فهناک من
سماها"إسرائيل الثانية" و هناک من وسمها بالخنجر
السام المطعون في الظهر، وهناک من رأى فيها بداية
تقطيع لأشلاء الامة الاسلامية و... وفي عباب هذا
الکلام الذي يطول، يروي الشاعر بشيو "الحلم ـ الکابوس"
حين دلف الى أروقة الامم المتحدة و رأى جميع أطفال
العالم على إختلاف أشکالهم و ألوانهم يحملون
راياتهم بأيديهم وکان هو"ممثلا لأطفال کودستان"
بلا راية مما دفعوه خارجا فصمم أن يروي هذا الدرس
المرير عند عودته لأطفال کوردستان. إن الحلم
"المتجسد عذابا سرمديا" في وجدان کل کوردي بدولة
مستقلة، کان الهاجس الاکبر لبشيو وقد حاول أن يعطي
لهذا الحلم ـ الهاجس بعدا إستثنائيا حين ربط بينه
و بين عالم الاطفال حيث الامل و التطلع نحو
المستقبل، أو بتعبير آخر أراد أن يزرع الامل
بالحلم في براءة الاطفال. بشيو الذي لم يکف عن
الحلم و عوالمه الفنطازية، حمل دوما قضيته في نبض
شرايينه وسافر بها متلوعا بسياط القهر و الحرمان
من جغرافية حدود سياسية لدولة تدعى ذات يوم کوردستان.
هاهو برغم الالم الذي زرعه الحزن في وجدانه من
جراء نکسة6 آذار، وبرغم حدة و عنف الهجمة
الشوفينية ـ القمعية ضد الشعب الکوردي، يمني الکورد
بأمل وضاء و کإنه يتنبأ بما سوف يحصل من إنتفاضة
جماهيرية عام1991إذ يقول في قصيدته الموسومة"أمل"
والتي کتبها عام1988:
"في الوقت الذي من فوق، من
على القلل
الطوفان و العواصف تداف في
المروج و الاشجار،
لاتحزن ـ
من تحت، في الوديان،
أعشاب جديدة و براعم تنمو."
هذا الکلام في ذلک الظرف
الزمني الحالک و الصعب، کان أشبه بنبؤة بعيدة جدا
عن التحقق، سيما وأن الحکم البعثي في ذلک
العام"1988" على وجه التحديد، قام بعمليات الانفال
السيئة الصيت حيث إبتغى من خلالها أن يقتلع جذور
الحرکة التحررية الکوردية من أعماق الريف و السهل
و الجبل الکوردستاني. إنه مع إقراره بمرارة الذي
جرى، لکنه مع ذلک کان يزف البشرى ببهاء الذي سوف
يجري لاحقا في کل بقعة من کوردستان. وإذا کان زمن
الانبياء قد إنقضى ولم يبق سوى الحلم، فإن شاعرنا
يحاول أن يرقى بمعاناته و غبطته"المتوشحين برباط
هلامي مزروع في أغواره" الى مديات قد تجعل أحيانا
من الحلم مجردا من سطوته الميتافيزيقية حيال عالمه
الجديدة التي يوزع فيها مفردات الالم و الفرح الکورديين
وفق طقوس خاصة ببشيو وذلک حين يقول في
قصيدته"وطن":
"الجنة و الجحيم ليسا
بجديدين بالنسبة لي.
في نفس الوقت و ذات المکان،
رأيت ذلک، و رأيت هذا،
وطني، منذ کان،
الجنة و النار تحيط به من
کل جانب!"
إلا أن ذلک لايعني أن
عبدالله بشيو قد أقلع عن الحلم و بات يرکن الى
ملاذات جديدة في مداراته الشعرية، بل على العکس من
ذلک تماما فهو قد ظل متشبثا بالحلم کسراط مبين
ينير له مدلهمات الدروب و يغنيه عن التزلف الى
إرهاصات العقل و الواقع اللذين يعجزان غالبا في حل
طلاسم المعاناة الکوردية التي تجتر تعاويذها من
بيادي و قفار الجغرافية ـ السياسية التي نحر في
معابدها الوثنية الالوف من الارواح الکوردية
قربانا لأوطان ليس للکورد فيها سوى الذبح و الوأد
و التقتيل و التشريد. وقد حاول الشاعر بشيو ترجمة
کل ماأسلفنا في قصيدته الرائعة"منذ کنت و أنا
أحلم" والتي يوزع فيها تقاسيم مموسقة لإختلاجات و
تموجات تساميه على واقعه المر و رنوه صوب آفاق
جديدة يکتشف في مجاهيلها مروجا و روابي و ينابيع
لاتحاصرها أو تخنقها جغرافية الخوف و التنکيل التي
تحيق بالکورد. إنه يحاول التحليق بأجنحة الوجد في
عوالم أحلامه المطلقة صوب آفاق ترسم شيئا من
أمانيه الممنوعة عربيا و ترکيا و فارسيا وحتى
إسلاميا. هو الباحث و المسبار الذي لايهدأ له
قرار، وما رکونه الى"حلم" بدأ مع تواجده و سيستمر
حتى آخر رمق في حياته، سوى محاولة جادة"وليس
سيزيفية" للخروج من دائرة حصار رسمت خطوطها
العريضة بأکثر من لون. قصيدة"منذ کنت و أنا أحلم"
هي في حقيقة أمرها إمتداد"عقلي ـ وجداني" لقصيدة"
الاطفال"، ومحاولة قراءة مجددة اخرى لواقع مملوء
بعذابات يجترها الشاعر في قصائده کآلام الطلق!
وعلى الرغم من جنوح الشاعر نحو البساطة و العفوية
في التعبير"وهي صفة حميدة إتسم بها بشيو، کي ينقل
إختلاجاته الى أوسع شريحة في کوردستان"، إلا أنه
وفي مطلع قصيدته يحاول الولوج الى عوالمه"الحالمة"
بمزيج من الرومانسية المدافة بشئ من الواقعية
المتسامية عن الواقع العادي، بحيث يقترب من نوع من
الشرح الفلسفي لحرکة الواقع حين يقول:
"منذ کنت أحلم
حلم مخملي ذو لون بهي!
حلم عالي، مثل النجم،
حلم ثاقب، مثل الشعاع و
الصوت
منذ کنت أحلم:
يوم بعد يوم، عام بعد عام
أحلم.
خطوة بخطوة، بيت بعد بيت
أزرع الحلم"
الحلم العالي، هو "الواقع
الجديد کما يريده في عالمه الخاص الذي يبتغي
تعميمه"، وهو من خلال"الحلم العالي" يلفت الانظار
الى عزوفه عن مجرد حلم عادي يراود عامة الناس،
ولعل ترادف کتابة هذه القصيدة بعد سفر العذاب
الطويل الذي مر الشعب الکوردي، بدءا من جرائم
"الزعيم صديق"(*) في الستينات، ومرورا بإتفاقية
آذار السوداء بين العراق و إيران مع مانجم عنه من
تداعيات دفعت الحکم البعثي الى قصف حلبجة بالاسلحة
الکيمياوية و إرتکابه مجازر الانفال المغالية في
بشاعتها و لاإنسانيتها و وصولا الى الهجرة
المليونية هربا من جحيم نظام فريد في قسوته و
إجرامه بحق الکورد على وجه الخصوص. کل هذا العذاب
الذي تلظى بشيو بناره التي إکتوت بها أعماقه، دعته
الى التخلي عن حلمه القديم، الحلم المألوف بنيل شئ
من الحقوق القومية المشروعة ضمن إطار العراق،
وعزوفه عن ذلک الى ماهو أشمل و أسمى، ولن يکون ذلک
إلا دولة کوردية مستقلة. بيد أن الحس القومي
المتدفق حيوية و عنفوانا لدى عبدالله بشيو ليس
بذلک الحس الضيق الافق الذي يحجب عن رؤيته الافآق
الانسانية الرحبة، هو ککوردي لا يستطيع أن يعزل
ذاته في البوتقة القومية بعيدا عن الفضاء الانساني
الرحب، لذا يتدارک في القصيدة ذاتها لينطلق صوب
العمومية الانسانية المطرزة بخصوصية عذاباته،
فيقول:
"أحيانا حرب النجوم،
تشير نوبل، حلبجة المنکوبة،
قناع مايکل جاکسون،
زرع الانسان في أنبوبة،
الانترنيت و ثقب الاوزون...
يدفعونني للهروب يرعبونني"
إن الجريمة قد تتخذ إشکالا
و أنماطا متباينة و قد تکون في بعض الاحيان بارزة
للعيان في بشاعتها کما في حالة"حلبجة المنکوبة"
وقد تکون متخفية تحت براقع تمويهية من ذرائع واهية
کإستخدام التقنية النووية لأغراض إنسانية و فجأة
نصحو على کارثة حمقاء مثل"تشير نوبل"، أو قد تکون
جريمة بحق لا الوجود الانساني على الکوکب الارضي
فحسب، وإنما حتى بحق الحياة بکل صورها کما يتجلى
ذلک في "ثقب طبقة الاوزون |